غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"أختي زمزم، كفّنت أمي تحت الركام"، قالتها نوارة العجرمي لـ"نوى" وبكت، تقول: "هذه العبارة تختصر حكاية وجعنا كله. وصل بنا الحال إلى أن يكفّن جريحٌ شهيد تحت الركام".
بدأت الحكاية وفق نوارة -الشقيقة الكبرى لزمزم- عندما ذهبت الأخيرة (15 عامًا) مع أمها وشقيقاتها إلى جمعية تأهيل ذوي الإعاقة في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة؛ لزيارة خالتها التي تقيم هناك، كونها من ذوت الإعاقة.
كان الاحتلال قد توغل في تلك المنطقة قبل عدة أيام، وحاصر العائلات داخل المنازل والمدارس التي تؤوي النازحين. كان من ضمن النقاط التي حوصرت تلك الجمعية، وشاءت الأقدار أن يُجتاح المكان فجأةً مرة ثانية، وأن تكون هدفًا للقصف بعد انسحاب مؤقت!
قُصف المركز بينما زمزم ووالدتها وشقيقاتها هناك. استشهدت الأم، وأصيبت الخالة ابتسام "42 عامًا"، في حين نجت زمزم وشقيقاتها، وحوصرن تحت الركام برضوضٍ وكدمات صعبة.
تضيف نوارة: "أصيبت خالتي بالرأس، وتمكنوا من وقف نزيفها، لكن في الليل أطلقت طائرة "كواد كابتر" النار على المتواجدين في المكان من جديد، وأصيبت خالتي مرة أخرى بكتفها".
قبل كل ما حدث، كانت نوارة على تواصل دائم بعائلتها، التي تعرف تمامًا أنها تعيش في شمالي القطاع ظروف الموت بحذافيرها! لا مقومات للحياة، لا طعام ولا مياه ولا دواء. كل ما كانت تهدف إليه النجاة، حتى جاء ذلك اليوم.
تحكي: "اتصلت بهم للاطمئنان عليهم، لكن بشكل مفاجئ انقطع الاتصال بهم وأصبح مصيرهم مجهولًا".
ونشرت نوارة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مكالمة مسجلة وهي تتحدث مع "زمزم"، التي ناشدت بإنقاذها قبل أن يقتلها الاحتلال كما قتل أمها اليوم، وقتل والدها وشقيقها في بداية الحرب.
وقالت في مكالمتها "والدتي استشهدت، وتوقفت عن التنفس أمام عيني، ولم أستطع فعل شيء"، متابعة بحرقة: "أنا شو ذنبي. أنا عمري 15 سنة كفنت أمي بإيديا، شفتها بآخر أنفاسها وما قدرت أعمل شي".
تزيد نوارة: "لم تقض والدتي في زيارتها إلا دقائق معدودة. قصفت مدفعية الاحتلال المكان، وكانت أمي من أوائل الشهيدات هناك"، متابعةً: "قبل أن تلفظ أمي أنفاسها الأخيرة بقيت زمزم تحاول الصراخ لإنقاذها عبثًا. حتى سيارات الإسعاف رفضت الوصول إلى المكان نتيجة تواجد طائرات الكواد كابتر، وتقدم الدبابات بشكل مفاجئ".
بعد استشهاد والدة نوارة، لم يعد هناك أخبار تصل عن شقيقاتها هناك. حتى هذه اللحظة، لا تعرف إذا ما كُن نجون وخرجن بسلامٍ من المنطقة أم أنهن غدون شهيدات، ولحقن بأمهن على أرض جباليا.
تواصلت نوارة مع جمعية الصليب الأحمر، الذي حاول التنسيق مع الجانب الإسرائيلي لإنقاذهن، "لكن الاحتلال رفض تمامًا وفق الصليب، أن تصل أي سيارات إلى المكان، وهدد بالقتل كل من يقترب".
في بداية الحرب، قصف بيت العائلة، وأصيبت زمزم إصابةً طفيفة، ثم قصف ما تبقى منه ثانية خلال الاجتياح الثاني للمدينة، ودمر كليًا، واستشهد شقيق نوارة الأصغر عبد الرحمن (17 عامًا).
اضطرت عائلة نوارة للنزوح إلى وسط جباليا في مركز تابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، لكن المكان تعرض للحريق، وفقدوا كل ما يملكون من طعام وشراب ودواء ونقود وملابس.
في الاجتياح الثالث، الذي استشهدت فيه والدة نوارة، بقيت على تواصل دائم مع شقيقتيها لميس وزمزم عبر الهاتف؛ للإطمئنان عليهما وتهدأتهما، إلى أن فقدت الاتصال بهم.
تناشد نوارة العالم بالعمل على وقف حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، ومساعدتها لمعرفة مصير شقيقاتها وخالتها المصابة، ودفن والدتها في المقبرة.
وكان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، حذر من كارثة إنسانية غير مسبوقة مع إطباق الاحتلال حصاره على مخيم جباليا ومشروع بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، وتصعيد وتيرة جريمة الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين هناك، بارتكاب المجازر وجرائم القتل العمد والتهجير القسري واسع النطاق.
ودعا المرصد المجتمع الدولي والأمم المتحدة، إلى التدخل الفوري والحاسم لإنقاذ عشرات آلاف السكان، "الذين يتعرضون لواحدة من أعنف حملات جريمة الإبادة الجماعية".
























