شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م23:33 بتوقيت القدس

"جبنة" بغزة.. وحليبٌ يغلي تحت مناشير الإخلاء!

21 اكتوبر 2024 - 11:30

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تتحين هيام الحايك "أم فؤاد" يومًا تكون فيه سماء حي الرمال بمدينة غزة خالية من القصف الإسرائيلي المكثف؛ لتجد فرصةً تضع فيها آنيتها المتشحة بالسواد، على نارٍ أشعلتها بـ"طلوع الروح" بعد جمع قصاصات الورق والقماش وبقايا الحطب.

تبدأ السيدة الخمسينية بغلي الحليب الذي تحصلّت عليه بـ"شق الأنفس" من أجل تلبية طلبات زبائنها من الجبن البلدي، واللبن، الذي صار وجوده عزيزًا في شمالي القطاع، بفعل الحصار الخانق، ومنع الاحتلال الإسرائيلي وصول المساعدات للأهالي هناك.

تعود قصة السيدة الأربعينية مع صناعة الألبان والأجبان إلى ما قبل الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة للعام الثاني على التوالي، حين كانت لديها "بحبوحة" من الوقت بعد تزويجها لعددٍ من أبنائها وانشغال زوجها في "السوبرماركت" الخاص به، للالتحاق بدورات متعددة في التصنيع الغذائي، الأجبان والألبان والمعجنات وغيرها.

الخبرة التي اكتسبتها الحايك، أسعفتها حينما خسر زوجها مصدر رزقه إثر قصف الاحتلال لمحله التجاري، وصارت العائلة بلا دخل، فقررت افتتاح المشروع. لجأت برفقته إلى إنشاء مشروع لتصنيع الألبان والأجبان، توقف مرارًا بسبب النزوح والأوضاع الصعبة، ونقص المواد.. وأيضًا بسبب استشهاد زوجها برفقة ابنها البكر، الذي ترك خلفه زوجته وطفله الرضيع.

كانت الواقعة ثقيلة جدًا على نفسها، فقد فقدت سندها ومعيل عائلتها. تعاظم الحزن في قلبها، وتضاعفت الأعباء المادية، فلم تجد أمامها إلا الوقوف على قدميها من جديد، والبحث عن مصدر رزق في ظل الغلاء المرعب، وانعدام أساسيات الحياة في مدينة غزة، فتوجهت بتشجيعٍ من أبنائها والمحيطين بها لاستئناف مشروع "الألبان والأجبان"، الذي كان التفكير فيه "ضربًا من الجنون" في ظل انعدام المواد الغذائية في المدينة.

اغتنمت "الحايك" الفرص القليلة التي دخلت فيها المساعدات الشحيحة لغزة، واشترت كمية كبيرةً من المواد الخام التي تحتاجها، وبالأخص الحليب وزيت القلي "السيرج" والملح؛ لتبدأ في إنتاج اللبن الخضيض و"اللبنة" و"اللبن أب" والجبنة "البلدية والكريمي" وقد حازت منتجاتها على إعجاب المحيطين بها، الذين بدأوا بالترويج لها في أوساط معارفهم.

تسليم "الطلبيات"

ثم انتقلت الحايك لمرحلة التسويق عبر الإنترنت عبر صفحةٍ أنشأتها لهذا الغرض على تطبيق "إنستغرام"، لتجد إقبالًا من الزبائن برغم الأسعار المرتفعة جدًا للمنتجات بسبب غلاء المواد الخام، "فكيلو الجبنة البلدية كان سعره قبل الحرب عشرين شيكلًا، أما الآن فيبلغ سعره مئة وعشرين شيكلًا" تقول.

يكون يوم الحايك شاقًا ومرهقًا للغاية عندما يكون لديها تسليم "طلبيات" للزبائن، فتبدأ منذ الصباح الباكر بـ"توليع النار" وتحضير المنتجات، بجانب المهام المنزلية التي تعد كل واحدة فيها أمرًا مرهقًا للغاية في ظل انعدام الكهرباء والوقود بغزة للعام الثاني على التوالي.

وبين تحضير الطعام للعائلة و"غسيل الثياب" وتلبية طلبات الزبائن والرد على استفساراتهم يمضي يوم "الحايك"، حتى أنها قد لا تجد وقتًا لتناول الطعام أحيانًا، فهي تعمل في ظروف استثنائية وغير طبيعية تفرضها عليها الحرب الإسرائيلية على غزة.

ويقف الوضع الصعب الذي تعيشه غزة "حجر عثرة" في أحيانٍ كثيرة أمام قدرة الحايك على تسليم طلبياتها، فتأتي أوقاتٌ كثيرة لا تكون فيها المواد الخام متوفرة، فتبحث عنها في جميع أسواق المدينة دون جدوى.

ويُضاف لذلك الاجتياحات الإسرائيلية البرية المتكررة للمدينة، و"أوامر الإخلاء" المتكررة، التي قد تعني أنها يمكن أن تُضطر لترك "الحليب" على النار بينما تجري بأبنائها فرارًا من قذائف الاحتلال ورصاصه، الذي يستهدف كل متحرك دون تمييز بين رجل وامرأة وطفل.

كاريكاتـــــير