شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م18:05 بتوقيت القدس

مصور صحفي لم يودع جثث أطفاله بعد..

تحت الأنقاض دفَن "محمود" قلبهُ.. مع زياد وغادة!

16 اكتوبر 2024 - 14:09

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يمشي المصور الصحفي محمود أبو حصيرة في شوارع شمالي قطاع غزة، حاملًا كاميرته بيده. يلتقط صورًا "مُرة" للإبادة، ويترك خلفه فراغًا عميقًا لا يمكن وصفه، بعد فقدانه زوجته وطفليه، وعددًا من أفراد عائلته خلال حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول للعام 2023م.

يعود إلى ذلك التاريخ: الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر من نفس العام، حيث أشارت الساعة إلى التاسعة والربع مساءً. حيث توقف هناك الزمن، وغاب الأحبة.

يحكي: "أصوات انفجارات عنيفة هزت منطقة غرب ميناء غزة الأولى. هناك بيتي الذي يحتضن زوجتي وطفليّ وعائلتي، لكنني لم أتوقع أن يكون القصف له على وجه التحديد".

كان محمود خارج البيت برفقة والده، ولما حددت الأخبار موقع القصف هرعا إلى المكان، وأغلب ظنهما أنه المسجد القريب. لم يكونا يتصوران أن البيت نفسه هو المستهدف، لكن هذا ما حدث. فقد محمود في تلك الليلة الدامية زوجته وطفليه، زياد البالغ من العمر سبع سنوات، وغادة ابنة الأربع سنوات، إلى جانب 33 شهيدًا من أفراد العائلة، وغالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن.
يتحدث محمود عن صباح ذلك اليوم، حيث قضى آخر لحظاته مع طفليه، حين رافقهم إلى البقالة المجاورة، التي تم قصفها أيضًا. واشترى لهما بعض الحاجيات التي يفضلانها لعلّها تساعد في إلهائهم وتهدئة مخاوفهم والتخفيف عنهم، جرّاء ما يعيشونه من رعب القصف والقتل والتشريد.

بحسرةٍ يقول: "استشهد أطفالي ولم يكملوا كيس الحاجيات".

يعتصر محمود ألمًا، كلما فكّر في جثث زوجته وطفليه، التي ما زالت حتى هذه اللحظة تحت أنقاض المنزل المدمر! يعقب: "القصف الإسرائيلي كان مدمرًا لدرجةٍ أعاقت فرق الدفاع المدني عن الوصول إلى الموقع بسبب شدة الانفجارات، واستهداف الاحتلال للطواقم التي تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه".

ومنذ بدء الحرب، تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية على الصحفيين في قطاع غزة بشكل ممنهج، حيث بلغ عدد الشهداء منهم 177 صحفيًا فلسطينيًا.

وهذه مدعاة أكبر لاستمرار نقل الرسالة -وفق محمود- الذي تابع: "الحرب التي نعيشها في قطاع غزة أساسها نقل الحقيقة وإيصال صوت الضحايا والأشخاص الذين يبادون بدم بارد إلى العالم كله".

اتخذ محمود قرارًا بمواصلة العمل رغم الألم الذي لا يُفارق قلبه. يتجول في شوارع شمالي القطاع، التي باتت كومة من الأنقاض. يوثّق بكاميرته ما تبقى من معالم المدينة، محاولًا أن ينقل للعالم وجوه الأطفال البائسة التي فقدت براءتها، وجنائز العائلات التي تخرج على مدار اليوم من المستشفيات وتُمسح بشكل كامل من السجل المدني.

عندما يعود محمود إلى مكان نزوحه بعد يوم عمل طويل، لا يستطيع إلا أن يقلّب في هاتفه صور طفليه الذين فقدهما. يقول: "أفتقد مشاعر أبنائي لحظة عودتي إلى المنزل. كانوا يستقبلونني بالأحضان ويطلبون مني تحقيق رغباتهم الصغيرة".

في كل صورة تلتقطها عدسته في الميدان يرى عيون أفراد عائلته التي فارقها، ومشهد الأنقاض الذي أصبح رمزًا لألمٍ لا يُحتمل، هي ذات الأنقاض التي دُفنت تحتها ذكرياته مع أفراد عائلته.

وتواصل دولة الاحتلال الإسرائيلية، حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة منذ السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023م، بدعمٍ مُطلق من الولايات المتحدة الأميركية، مما خلف أكثر من 42 ألف شهيد، وأكثر من 98 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، بالإضافة إلى فقدان ما يزيد على 10 آلاف شخص، تقول مصادر "الصحة" إنهم ما زالوا تحت أنقاض المنازل والمباني المدمرة التي يصعب إزالتها.

يخبرنا محمود وهو ينظر إلى أنقاض المنزل المدمّر: "حتى ألعاب أطفالي لم تسلم من تلك الصواريخ. لا تزال عالقة تحت الركام كما هو حال بعض أفراد العائلة".
محمود، كما العديد من الصحفيين في قطاع غزة، يرونَ أن دورهم أصبح أكثر أهمية في هذا الوقت. ويعدّون أن الصور التي يلتقطونها، والتقارير التي يبثونها ويكتبونها هي إحدى أقوى الأدوات التي تملكها غزة في حرب الإبادة المستمرة.

"الاحتلال قد يحاول إسكات الصوت، لكنه لن يتمكن من إخماد الحقيقة التي ستظل حية عبر عدساتنا وصورنا وتقاريرنا اليومية".

بإصرارٍ وعزيمة يواصل محمود العمل، محاولًا أن يَرُدّ على جرائم الاحتلال بما يملكه من قوة في توثيق الحقيقة. "العدو يريد لنا أن ننهار، لكننا لن نعطيه هذا الانتصار" يحكي، مضيفًا: "هذه الكاميرا هي سلاحي، وسأسعى من خلالها لنقل الصورة. صورة الجريمة البشعة التي ترتكب بحق المواطنين العزل في غزة".

كاريكاتـــــير