غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في لحظةٍ لم تكن تتخيل أنها ستمر بها أبدًا، صرخت وغابت عن الدنيا فاقدةً للوعي. تيقّنت من كل شيء قبل أن ينطق حولها أحد، وعرفت أن دموع أمها في المكالمة الأخيرة، كانت دموع مودّع، عندما جاء صوتها عبر الهاتف حائرًا يرتجف: سامحينا يا ماما"!
في الرابع عشر من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، فقدت آسيا ملكة كافة أفراد عائلتها في منزلهم الذي كان يؤوي نازحين بحي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة.
33 فردًا، بينهم والدتها ووالدها وأخوتها، كلهم رحلوا وتركوها وحيدةً تتجرع مرارة الفقد في مصر، حيث خرجت قبل الحرب لدراسة الطب البشري.
لم تكن آسيا تدرك أن سفرها إلى مصر لتحقيق حلمها قبل الحرب بشهر، سيكون محطتها الأخيرة في ظل عائلةٍ تحبها وتدعمها. "وكانت المرة الأولى التي أبتعد فيها عن أهلي" تقول لـ"نوى".
في الجمعة الأولى للحرب، انقطع الاتصال مع عائلة آسيا. راودها شعور بأن أمرًا سيئًا حَدَث، لكنها كانت تُكذّب نفسها. تخبرنا: "بكيتُ كثيرًا يومها، كنتُ طوال الوقت أدعو الله ألا يختبرني بشعور الفقد. لا أعرف لماذا رددتُ هذا الدعاء طويلًا، رغم أن الطبيعي أنهم أحياء".
قررت آسيا الاتصال بعائلتها دوليًا، ولم تنتظر اتصالهم بشبكة الإنترنت. تضيف: "لم يستجب أحد. أرسلتُ لهم رسالة بأنني آسيا، وتوسلتُ أن يردوا.. رن الهاتف كثيرًا عبثًا حتى ردّت أمي، وقالت لي وهي تبكي: سامحينا".
لم تتمالك آسيا قواها حتى انهارت بالبكاء، ثم ردّت: "ليش بتحكيلي أسامحكم؟ على شو أسامحكم؟ إنتو ما عملتولي إشي.."، لم تُجب والدتها، حتى تلقّف شقيقها الهاتف، وقال: "عادي يا أختي، إنتي سامحينا واحنا حنسامحك"، ثم انقطع الاتصال.
لم تكن آسيا تعلم أن هذه هي آخر مرةٍ تسمع فيها صوت أمها، وأنها لن تستطيع الحديث معها بعد ذلك للأبد. تتابع: "أقسمتُ حينها ألا أفتح الهاتف ولا الإنترنت لعل قلبي يهدأ قليلًا. استيقظتُ في اليوم التالي، وقررت أن أذهب لأخذ الأغراض التي أرسلها أهلي لي قبل الحرب".
كان لهيب الشوق ينخر في قلب آسيا، فأغلَقت باب غرفتها، وفي الطريق جاءت زميلاتي يرينني الأخبار عبر هواتفهن، ومن بينها كان خبر قصف الاحتلال منزلًا لعائلة ملكة".
"أخبرتهن أنه ليس بيت أهلي، لكن بقي شعور الخوف يلازمني وأخذت أحاول الاتصال بهم مرارًا وتكرارًا دون أن أتلقى أي رد".
تُردف: "حينها أخبرتهن أنه ليس بيت أهلي، لكن بقي شعور الخوف يلازمني وأخذت أحاول الاتصال بهم مرارًا وتكرارًا دون أن أتلقى أي رد".
بكت آسيا وصرخت بشكل هستيري حتى فقدت وَعيها. تقول: "جميعهم كانوا يكذبون علي ويخبرونني أن أهلي بخير لكنني لم أصدق. أمسكتُ الهاتف ورأيت فيديو لابن عمي حمزة وهو مصاب".
أخذت آسيا تتساءل: "حمزة محروق وهو متواجد في الطابق الأخير فما بال أهلي الذين بالطابق الأول؟".
توقف قلب آسيا عن النبض، ونقلوها إلى المستشفى، وهناك مكثت ثلاثة أيام تحت العناية المركزة، وحين عادت لوعيها أخذت تسأل بقهر وعجز: "بس احكولي أهلي استشهدوا؟"، حتى أجابتها إحداهن: "استشهدوا.. الله يرحمهم".

كان وقع الخبر صادمًا وقاسيًا، على شابةٍ أتمت تسعة عشر عامًا فقط. تستذكر ذلك اليوم باكيةً، وتقول: "شعرتُ بسكاكين تنخر قلبي، أنا لن أستطيع سماع صوت أمي وأبي أبدًا بعد اليوم".
تكمل: "لم أتقبل فكرة عدم وجودهم في حياتي، وأنا التي اعتدتُ عليهم في كل مراحل حياتي".
من مستشفى لآخر كان جسد أسيا يتنقل لتلقي الحقن والمسكنات والمحاليل، غير قادرة على إكمال حلم عائلتها بدراسة الطب، لكن رؤية والدتها في المنام قلب حياتها وجعلها أقوى.
"رأيتُ أمي في الحلم.. كان وجهها مبتسمًا. قالت لي قومي يا دكتورة أنتِ قدها"، وقررت آسيا حينها النهوض لإكمال الحلم الذي لطالما راود أمها، ودعمتها في طريقه.
تقول: "كان وجهها مبتسمًا. قالت لي قومي يا دكتورة أنتِ قدها"، استيقظت أسيا تبكي لشوقها الكبير لأمها، وقررت حينها عدم الاستسلام، والنهوض لإكمال الحلم الذي لطالما راود أمها، ودعمتها في طريقه.
عامٌ كاملٌ مرّ على استشهاد عائلة آسيا في غزة، بينما هي هنا وحيدة، يراودها شعور الحنين لكل كلمةٍ وهمسةٍ وضحةٍ ولمّة، وشوق كبير لحضن البيت الدافئ، الذي غادرته فغدا ركامًا بعد عين.
























