غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"ثمانية جثث مكفّنة. لكن الشهداء تسعة! مَن التاسع؟" تساءل المواطن خالد العسكري (33 عامًا) أمام ثلاجة الموتى، وقلّب كفيه محاولًا تذكّر أفراده عائلته.
مرَّ بين الجثث، وصار يعدّدهم واحدًا واحد. يحاول التعرف عليهم، يراجع القائمة، كلهم موجودون إلا واحد، "من يكون؟ وأين هو الآن؟" تساءل مرارًا.
في الحادي عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر لعام 2023م بدأت الحكاية. ألقت طائرات الاحتلال الإسرائيلية صاروخًا استهدف منزل عائلة العسكري في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، في تمام الثامنة والنصف ليلًا دون سابق إنذار.
يقول: "كنا أحد عشر فردًا داخل البيت، أمي وأبي، وأنا وزوجتي وأولادي. جميعهم نائمون سواي. لم أشعر بالصاروخ حين سقط علينا، فجأةً وجدتُ نفسي تحت الركام".
"يمااا.. ياباا"، هكذا صرخ بأعلى صوته، حين رأى غرفة والديه وقد أضحت ركامًا وهما على سريرهما نائمين. لا يعرف بعدها ماذا حدث، أغمي عليه من هول المشهد، وغاب.
يخبرنا: "لم أكن أعلم حينها أن زوجتي وأطفالي أيضًا شهداء، أخذتُ أسأل الجميع أين هم؟ وكيف حالهم؟ ولكن لا أحد يجيب".
داخل المستشفى الإندونيسي شمالي القطاع، وبعد أن صحا، ركضَ خالد في جميع الأزقة بحثًا عن أفراد عائلته. جال في كل الأقسام مهرولًا يسأل كل من يقابله. أصابه اليأس، حتى أخذته قدماه نحو ثلاجة الموتى.
"حملتُ طفلي الأصغر مجاهد بين يدي، وحمدتُ الله. ألهمني الصبر وغمر قلبي براحة نفسية لم أشعر بها قط".
وفي مشهدٍ يدمي القلب، رآهم جميعًا يصطفون بجانب بعضهم. يستذكر المشهد بقوله: "حملتُ طفلي الأصغر مجاهد بين يدي، وحمدتُ الله. ألهمني الصبر وغمر قلبي براحة نفسية لم أشعر بها قط حتى نطق لساني: "راضي يا رب كل الرضا".
الذاكرة خانت خالد لأربع ساعات حقًا، أربع ساعات يحملق في قائمة أسماء الشهداء الثمانية، ويقول: "هناك فرد آخر مفقود. هناك شهيد تاسع". يضيف: "حاولت كثيرًا أن أذكر من هو، لكنني فشلت".
بعد أربع ساعات من الشرود والتفكير بكى! "كيف نسيتُ الغالية؟ حبيبة قلبي ابنتي "غالية" التي أسميتها على اسم أمي، ليست ضمن القائمة رغم أنها غابت ورحلت معهم إلى السماء".
يضيف: "من شدة قوة الصاروخ، طار جثمانها إلى بيت الجيران، ووجدوها صبيحة اليوم التالي". يتساءل باكيًا: "مش عارف والله كيف نسيتها! كيف راحت عن بالي وهي أحب وحدة على قلبي؟".
لعله لم يرد أن يصدّق أنها رحلت. لم يرد أن يصدق أنه يكتب اسمها في قائمة شهداء، رحلوا ولن يعودوا أبدًا.
لم يستطع خالد إلقاء النظرة الأخيرة عليهم، رفض عقله وقلبه رؤيتهم بلا روح ولا صوت. بقي أربع ساعات جاثمًا على ركبتيه بين جثثهم، يجول بناظريه بين الجثث ويبكي.
يتابع: "حملوهم على الأكتاف وذهبوا بهم إلى المقبرة للدفن.. رفضتُ المشاركة. لم أستطع رؤيتهم والتراب يغطي وجوههم النقية".
غابوا في الطريق فعاد إليه جزء من وعيه. ركض خالد نحو قسم الاستقبال داخل المستشفى يبحث عن طفله الناجي الوحيد برفقته أحمد (13 عامًا). رأى جسدهُ محترقًا بالكامل يلفه الشاش الأبيض، وقد وضع الأطباء البلاتين في قدمه اليمنى.
يقول: "خضع بعدها الفتى لعمليةٍ استأصل بها الأطباء طحاله. لكن الاحتلال الذي اعتاد على أن يغتال أي أملٍ نتشبث به لم يكتف بذلك".
ثلاثة أيامٍ بدون علاج، عاشها خالد في المستشفى برفقة ولده وكافة المصابين هناك، بعدما فوجئوا بتقدم الدبابات الإسرائيلية نحو البوابة، تحت قصف عنيف تجاهها وفي محيطها لم يتوقف.
حينها خرج المستشفى الأندونيسي عن الخدمة، واضطر والد أحمد لتغيير الجروح وتركيب المحاليل لطفله بنفسه. يخبرنا: "بقيت ليومين أغير جروحَه وأضع القسطرة له، لكن في اليوم الثالث خرجت رائحة كريهة من قدمه وبدأت الديدان بالخروج منها لشدة الحروق".
أجبر الاحتلال الإسرائيلي جميع المرضى والمتواجدين داخل المستشفى بالنزوح إلى جنوبي القطاع، ومن ضمنهم خالد وطفله أحمد.
لم يتوقع الرجل لحظةً أن لحظة فراقٍ جديدة ستباغته في الجنوب، لكنها جاءت. أكمل ابنه الرحلة وحده فسافر للعلاج في الخارج. "تركني وحيدًا هنا، أصارع وجع الذكريات" يختم الأب المكلوم قصته بقهر وحرقة.
























