غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بعد ليلةٍ قاسية قضتها عائلة المسن وائل المصري تحت نيران الموت بين أزقة مخيم جباليا، شمالي قطاع غزة، تمكنت أخيرًا من الوصول إلى إحدى مدارس الإيواء في المخيم.
لم تنجح كل وسائل الاحتلال بالضغط على العائلة للنزوح القسري إلى جنوبي القطاع، فعاقبتهم وكل من تبقى معهم في نفس المنطقة بتحويلها إلى "جحيمٍ حقيقي" على حد وصف الرجل.
يقول شارحًا ما حدث: "بعد غروب الشمس بتاريخ ٧ مايو/ أيار الماضي، انقلب المخيم رأسًا على عقب. اقترب منا الموت حتى نطقنا الشهادتين. بدأ الجيش بضرب المنطقة بالأحزمة النارية، وتقدمت الآليات تجاه منزلنا، فقررنا الهروب إلى مدارس النزوح على أساس أنها آمنة، لكن الفاجعة حدثت في الأماكن نفسها، التي طلب منها الاحتلال التوجه إليها".

استقرت عائلة المصري المكونة من ٩ أفراد (بينهم سلمى، وهي فتاة ذات إعاقة حركية وذهنية) في أحد فصول مدرسة جباليا لإيواء النازحين، حيث ظنوا أن شعار "اونروا" سيحميهم، لكن في عرف الاحتلال، لا حماية لأي شخص بغزة.
يتايع: "رغم الظروف الإنسانية الصعبة في مدارس النزوح، وقلة توفر الطعام والشراب، والجوع، والتكدس الرهيب، وظروف المعيشة التي لم توائم ظروف ابنتي سلمى (16 عامًا)، إلا أننا اتفقنا أن نبقى هنا حتى ينهي الجيش عمليته العسكرية في المخيم".
مرّت عدة أيامٍ قبل أن يستيقظ وائل لصلاة الفجر مرة، فيسمع صوت إطلاق نارٍ كثيف، بالتزامن مع قصفٍ عنيفٍ أصاب باب مدرسة الايواء. بدأ النازحون يصرخون ويهربون ويتنقلون بين الفصول هربًا من الموت الاسرائيلي، فتيقّن أن الجيش حاصر المدرسة بمن فيها.
"عشنا أيامًا مريرة، ولم نكن نجرؤ على رفع رؤوسنا عن الأرض، ولا حتى الذهاب للمراحيض أو شرب المياه، خوفًا من تعرضنا للقنص".
يكمل المسن: "حاصر الاحتلال الإسرائيلي مدرسة الإيواء في اليوم السابع من نزوح العائلة. عشنا أيامًا مريرة، ولم نكن نجرؤ على رفع رؤوسنا عن الأرض، ولا حتى الذهاب للمراحيض أو شرب المياه، خوفًا من تعرضنا للقنص. كنتُ أقيم مع عائلتي في الطابق الاول، وكنا نسمع صوت صراخ النازحين بالأسفل أثناء إطلاق جنود الاحتلال النيران عليهم وإعدامهم مباشرة"، مضيفًا بحرقة: "كانت سلمي تضع يديها على أذنيها خوفًا. كنتُ أُربّت على كتفيها، وأواسيها حتى لا تخاف".
يتابع باكيًا: "سلمى لا تعرف ماذا يعني احتلال؟ ولا تعرف أن هؤلاء الجنود ارتكبوا مجازر إنسانية صعبة. لا تعرف أنهم يشنون حربًا هجرتنا من بيوتنا وشرّدتنا لأشهر، لكنها كانت عندما تشاهد الشهداء وتسمع القصف تبكي كثيرًا، ويبدأ جسدها بالارتجاف".
وبرغم أن سلمى كانت تستلقي على ظهرها طوال الوقت، كونها فاقدة للحركة، كان والدها يرى الخوف والفزع في عينيها بنفسه. "كنتُ عاجزًا عن فعل شيء لتهدئة روعها" يعقب مجهشًا بالبكاء، والألم يعتصر فؤاده.
يزيد: "عاشت سلمي أيام رعب حقيقية أثناء حصار المدرسة، لكنها لم تكن تعلم أن جيش الاحتلال سيحرقها دون أدنى رحمة".
بعد أسبوعٍ، طلب جيش الاحتلال عبر سماعات الميكرفون (باللغة العبرية) من جميع النازحين بمدارس الإيواء، النزول إلى ساحة المدرسة، فنزل الجميع ومن ضمنهم أسرة وائل المصري التي تركت سلمى في الصف مستلقيةً على فراشها الخفيف، وكل ظنهم بأن الجنود سيقومون بعملية تفتيش سريعة، ثم يعيدون الناس إلى الصفوف ثانية.
يخبرنا: "أمرنا الجنود بالبقاء في ساحة المدرسة، وطلبوا من النساء الاصطفاف في طابور والرجال في طابور آخر، وبقينا على هذه الحال مدة ١٠ ساعات، لم أتوقف خلالها عن التفكير بمصير طفلتي التي تركتها وحدها في الأعلى كونها تعاني إعاقة، ولا تعلم ما يحدث".
بعد عدة ساعاتٍ أخرى، بدأ إطلاق النيران العشوائي على النازحين المتكدسين في الساحة. "سقط عشرات الضحايا، فيما بدأ الجنود بدخول الصفوف وتفتيشها، ليجدوا فيها بعض من رفضوا النزول للساحة، فأحرقوها كلها بمن فيها، ومن بينها الفصل الذي كانت تنام فيه سلمى".
"بدأ الجنود بدخول الصفوف وتفتيشها، ليجدوا فيها بعض من رفضوا النزول للساحة، فأحرقوها كلها بمن فيها، ومن بينها الفصل الذي كانت تنام فيه سلمى".
يضيف والدها بصوت مختنق بالبكاء: "حرقوا سلمى ذات الإعاقة. بنتي ما بتعرف شي بالحياة إلا كلمتين، بابا، وخايفة (..) أشعر بعجز كبير، وبذنب أكبر لأنني لم آخذها معي إلى الساحة. لكن الجميع يعلم أنني لو كنتُ رفعت يدي لأتحدث آنذاك كنتُ سأُعدم على الفور"، مردفًا: "لم تستطع أمها ولا أشقاءها أن يؤتوا بحركة أيضًا. كنا نعتصر ألمًا، ونبكي وعيوننا معلقة نحو الصف الذي يشتعل نارًا"، مضيفًا بحرقة: "سلمى ضحية احتلال مجرم. أريد لقصتها أن تنتشر كي لا تمر رقمًا بين الضحايا. ما ذبنها لتحرق أمام أعيننا؟ استشهدت وتركت في قلوبنا حسرة ستلاحقنا طوال العمر".
























