شبكة نوى، فلسطينيات: غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
وسط خيمةٍ من القماش، في أحد مخيمات النازحين بمنطقة الزوايدة، وسط قطاع غزة، تنشغل الطالبة سيرة النجار (15) عامًا، في مطالعةِ روايةٍ شهيرة.
تجاهد الفتاة نفسها لإخفاء دمعاتها التي خانتها فجأة، وهي التي استمعت عن طريق الصدفة لخبرٍ بثته الإذاعة المحلية، يحكي عن إعلان وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، افتتاح العام الدراسي الجديد في التاسع من أيلول/ سبتمبر الجاري.
الإعلان ترك غصةً في قلوب مئات الآلاف من طلبة قطاع غزة، الذين لن يتمكنوا من الالتحاق بالمدرسة بسبب الحرب الإسرائيلية المندلعة منذ السابع من أكتوبر/تشرين ثاني الماضي، التي تسبّبت في ضياع عامٍ دراسيٍ كامل، مع تخوّفٍ من ضياع عامٍ آخر.
تحكي سيرة لـ"نوى": "لم أتوقع أن يأتي يومٌ يصبح فيه الذهاب إلى المدرسة حلمًا بعيد المنال. أشعر أن مستقبلي يضيع، لا أحد يهتم بنا"، متسائلةً بعد صمت: "إلى متى تستمر الحرب؟".
سيرة هي طفلةٌ متفوقة من قطاع غزة، كانت في الصف التاسع عندما بدأت الحرب، فنزحت مع عائلتها إلى منزل أحد المعارف في مدينة رفح، ومع اجتياح الاحتلال لرفح مطلع مايو/أيار الماضي، نزحت إلى خيمة من القماش في منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة.
تقول: "يوم اندلعت الحرب، كنت على موعدٍ مع امتحان التكنولوجيا الذي تجهّزت له جيدًا كي أحصد درجات عالية، وعندما كنت على وشك الخروج من البيت انطلقت أصوات الصواريخ. أذكر تلك اللحظة جيدًا، نادتني أمي وطلبت مني البقاء، وقالت لا مدارس اليوم"، مردفةً بحسرة: "لكنني لم أتوقع أن تستمر هذه العطلة كل هذه الأشهر".
الطفلة سيرة: "أخشى أن نستمر هكذا دون مدارس. أخشى أن يضيع مستقبلي".
بعد أسبوع، أجبرت عائلة سيرة على النزوح إلى الجنوب، فيما حملت الطفلة معها رواياتٍ تحبها لتمضي خلالها وقت الحرب الذي لم تتوقع أن يطول كل هذا. تضيف: "أخذت معي روايات زيكولا، وصاحب الظل الطويل، والنبأ اليقين (..) يا ليتني كنت أعرف ما سيحدث، لكنت أحضرت كتبي المدرسية معي أيضًا".
وتزيد: "أُصبت بالإحباط عندما انتهى العام الدراسي ولم نعد، اشتقت لمدرستي وصديقاتي ومعلماتي، وقهرني إعلان اقتراب العام الدراسي الجديد،"، متسائلة بانفعال: "هل سيضيع علي عام دراسي آخر؟".
سيرة التي لطالما شاركت في مسابقات القراءة، طالعت كتبًا حملتها معها لعدة مرات، ولكنها تريد أن تعود للكتب المدرسية، فالمستقبل يحتاج الاهتمام بالاتجاهين. تعقّب: "أخشى أن نستمر هكذا دون مدارس، أخشى أن يضيع مستقبلي".
ومثل سيرة تمامًا، كان الطالب أحمد عامر (12 عامًا)، الذي كان في الصف السادس الابتدائي عندما اندلعت الحرب، بينما يُفترض أن يلتحق بالصف الأول الإعدادي في العام الجديد.
نزح أحمد مع عائلته من مدينة غزة إلى رفح، ثم إلى دير البلح وسط القطاع عند اجتياح رفح. يقول: "كنتُ أحب المدرسة لأن بها أصدقائي ومعلمون أحبهم. أذكر أنني قبل الحرب بيوم كنت قد كتبت واجبي وحضّرت للحصص الجديدة، وأحضّر الدروس قبل كل حصة بمساعدة أبي وأمي، لكن حين بدء القصف في السابع من أكتوبر لم أذهب إلى المدرسة، وتوقعت أن يستمر الوضع هكذا لأيام فقط".
يقيم أحمد مع عائلته في خيمة من شوادر النايلون، وكحال أغلب الأطفال، يحاول إيجاد الوقت المناسب والكافي كي يراجع بعض الدروس عندما تتوفّر لديه شبكة إنترنت، لكن أحمد الذي حزن جدًا لضياع عام دراسي من عمره، بدأ يشعر بالقلق أكثر عندما أعلن عن اقتراب العام الدراسي الجديد، "وبدأتُ أشعر بالإحباط، وبأن حلمي يبتعد عني أكثر" يعقب.
يقول أحمد: "عندما نزحت لم أحمل معي كتبًا. توقعت ألا تطول الحرب، وفي البداية لم أفكّر في الدراسة بسبب الخوف من القصف المستمر، ولكن الآن وبعد النزوح من رفح إلى دير البلح ورغم استمرار القصف والخوف، أنا خائف أيضًا على مستقبلي، لا أريد أن أخسر عامًا آخر".
عندما أُجبر سكّان شمالي القطاع على النزوح إلى جنوبه، لم تحمل جودي معها سوى بعض الملابس، وتركَت خلفها كل كتبها ودفاترها. تقول: "لم أتوقع أن تطول إلى هذا الحد".
أما الطفلة جودي حسين (11) عامًا، وهي نازحة من مدينة الزهراء إلى مدينة دير البلح وسط القطاع، فربما تجد أن حظها أفضل من سابقَيْها، فهي نازحة في منزل أحد أصدقاء عائلتها، ولم تنزح إلى خيمة، ومع ذلك فهي مصابة بالإحباط بسبب ضياع عامين دراسيين والخوف على مستقبلها.
كانت جودي في الصف السادس الابتدائي عندما اندلعت الحرب. تخبرنا: "أنا أحب المدرسة وأعتبرها جزءًا من حياتي، أشارك في المسابقات المتعلقة بالقراءة وأحب التميز".
عندما أجبر سكّان شمالي القطاع على النزوح إلى جنوبه، لم تحمل جودي معها سوى بعض الملابس، وتركَت خلفها كل كتبها ودفاترها.
وكغي
رها ظنّت أنها مسألة وقت، ثم تعود إلى بيتها ومدرستها وحياتها العادية، فقضت وقتها نازحة، تحاول استثمار وقتها بمراجعة الدروس عبر الإنترنت بمساعدة أمها، التي تنظم يوميًا دروسًا لها ولباقي إخوتها.
وتروي: "أشعر بالحزن لأنني بعيدة عن المدرسة. شعرتُ بالضيق حين طالت المدّة، وأشعر بغضب شديد لأن مستقبلي مجهول الآن. لا أعرف متى تنتهي الحرب؟ ومتى نعود إلى حياتنا ومدارسنا؟".
وتتابع: "أريد العودة للدراسة، ففي العام الذي سبق الحرب كنت الأولى على فصلين، وكان لديّ أمل وتحدٍّ بأن أحصل على معدّل 99% في المدرسة، وأن أشارك في المسابقات مجددًا، لكن كل شيء تمنيته لم يحدث".
كانت جودي تحلم بأن تصبح ذات يومٍ صيدلانية، ولكن مع استمرار الحرب باتت الطفلة تخشى على حياتها حتى، "فلا شيء مضمون في بلدٍ يفتقد للأمان" تستدرك.
ثلاثة أطفال هم نماذج لمئات آلاف الأطفال في قطاع غزة، ممن حُرموا من حقهم الطبيعي في مواصلة التعليم بسبب استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي حصدت أرواح أكثر من 40 ألف إنسان، بينهم نحو 10 آلاف من أقرانهم الأطفال.
























