شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م19:48 بتوقيت القدس

مصادر رزقهم بقيت في الشمال

هذا "أنين" البطون الخاوية.. في خيام النازحين "بلا دَخْل"!

23 يوليو 2024 - 14:20

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يجلس أيمن أحمد (58 عامًا) أمام باب خيمته في أحد مراكز الإيواء بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، ويضع يده على خدّه بينما ينظر ناحية حفيده الذي طلب منه للتوّ مصروفًا، ثم غادر باكيًا بخفي حنين.

يعيل أيمن عائلته المكونة من 3 أفراد، بالإضافة إلى عائلة ابنته التي نزحت معه بصحبة أطفالها من مدينة غزة، حيث ترك هناك مصدر رزقه "باص فلوكس"، الذي كان يعمل عليه، بعد منع الاحتلال المارين عبر شارع صلاح الدين، اصطحاب مركباتهم معهم.

يقول: "ما بين نزوحٍ ونزوح: الوسطى والجنوب، وتكرار ذلك مرات عديدة، نفدت كل مدخراتي، ولم أعد أملك شيئًا أعيل به أسرتي".

ويعاني المواطنون الذين يعملون باليومية، أو بالأعمال الخاصة، انقطاع مصادر رزقهم، منذ إعلان "إسرائيل" حربها على قطاع غزة، في السابع من تشرين أول/ أكتوبر الماضي، لا سيما بعد نزوحهم من بيوتهم في مدينة غزة وشمالي القطاع، أسوةً بمئات الآلاف من المواطنين هناك.

كان أحمد يعمل سائقًا لتوصيل طلاب المدارس ورياض الأطفال. يقول: "شهر واحد فقط داومت فيه على العمل مع بدء العام الدراسي، وبعدها بدأت الحرب المجنونة. لم يكن لدي متسع من الوقت لتوفير المال من عملي كما كل عام. فقط شهر واحد".

رفض أحمد بدايةً كل تهديدات الإخلاء والمطالبة بالنزوح، إذ لم يتخيل أن تصل الدبابات -كما لم تفعل من قبل- إلى حي النصر غربي مدينة غزة، وهي منطقة حيوية ليست أبدًا قريبة من الحدود. يضيف: "خرجت خشية على الأطفال بعدما اشتد القصف، وطالت الأحزمة النارية المنطقة".

عاش هذا المعيل لأسرته آلام النزوح بحذافيرها، وقد ساعده أهل الخير بتوفير بعض الفراش ومعدات الطبخ. يعقب: "ومع كل مرةٍ أنزح فيها، أدفع للمواصلات المال الكثير. أستدين بعضه، وأوفر البعض الآخر من ما كنت أملكه".

"صرتُ أقنن تناول ما نملكه من معلبات، وأحاول بيع بعضها للناس كي أحظى ببعض الشواقل لأغراض المعيشة".

وفي فترةٍ من فترات انقطاع دخول المساعدت إلى جنوب قطاع غزة، ارتفعت أسعار المعلبات بشكلٍ جنوني، "حتى أنني صرتُ أقنن تناول ما نملكه منها، وأحاول بيع بعضها للناس كي أحظى ببعض الشواقل لأغراض المعيشة" يتابع.

يخبرنا أحمد عن هرولته خلف شاحنة المياه الحلوة، وطعام التكيات، "وهذه مشاعر تشعرني بالأسف على حالي. لم أمد يدي لأحد طوال عمري، وهذا الإذلال يقتلني أكثر من الحرب نفسها" يزيد.

وبعد اجتياح مدينة رفح جنوبي القطاع، بقي أحمد في خيمته حتى آخر نفس، إلى أن جاءته المعونة من الله، وصادف صديقًا نقله إلى مدينة خانيونس، لينتقل حاليًا إلى دير البلح، بعد تهديدات بإعادة اجتياح المدينة.

محمد صمد أيضًا (37 عامًا)، أب لطفلتين تحتاجان الحليب والبامبرز. يقول: "سجلت في المدارس لكنهم يسلمونه بالقطارة، ولهذا حاولت تعويض غدائهما بالمعلبات الذي في الغالب لا تتقبلانه".

ويضيف: "لما بشوف بناتي بياكلو غصب عنهم قلبي بينحرق، وبتمنى الموت مليون مرة، بس ما في باليد حيلة".

كان محمد قبل نزوحه إلى مدينة دير البلح، يعمل سائق سيارة أجرة، قدم كل ما يملكه من أجل استيفاء الدفعة الأولى منها، ثم استكملها بأقساط شهرية من خلال العمل عليها. يخبرنا: "كنت يوميًا أعود بقرابة 50 شيقلًا لعائلتي. وما يزيد عنها أخبئه لقسط السيارة، لكن الآن لا خمسين ولا عشرة، ولا سيارة: لقد بقيت في غزة".

يحاول محمد توفير رزقه من خلال مشاريع منزلية صغيرة "لا تفي بهمها" كما يعبر، كالترمس الذي تحضره زوجته، أو الخبز المقلي المرشوش بالزعتر، أو غير ذلك من ما يأخذه ويبيعه للأطفال حول خيمته.

وزادت معاناة عبد ربه الحصري (32 عامًا) بعد إنجاب زوجته في الحرب، وحاجتها الشديدة للغذاء من أجل التعافي، وإرضاع الطفلة.

"أنا أصلًا عامل بسيط، لدي بسطة لبيع حلوى الأطفال في سوق الزاوية، وقد تركتها تحت القصف في البيت".

يقول: "لا غذاء مناسب، ولا حليب للطفلة، ولا حفاضات. كلها كانت مفقودة، وكنت كمسؤول عن العائلة أشعر بالقهر لعدم قدرتي على توفير شيء. أنا أصلًا عامل بسيط، لدي بسطة لبيع حلوى الأطفال في سوق الزاوية، وقد تركتها تحت القصف في البيت".

لا يستطيع عبد ربه الحصول على أي دخل، في ظل النزوح المستمر، "إلا ما يوفره أهل الخير من غذاء وملابس للطفلة الصغيرة"، في حين يطارد شاحنة المياه الحلوة كل يوم لساعات من أجل أن يحظى بتعبئة جالونين يمتلكهما، ويسدان رمق عائلته ليومين او ثلاثة فقط.

يعلق بغصة: "تركنا رزقنا بغزة، ومش عارفين ندبر شغل هان، وكل شيء يجب دفع ثمنه، الثمن غالٍ جدًا".

وأغلق الاحتلال الاسرائيلي معبري رفح، وكرم أبو سالم منذ بدء عملياته في مدينة رفح في السادس من أيار/ مايو الماضي، ومنع دخول المساعدات والبضائع، إلا بشكل شحيح، كما مَنَع سفر الجرحى والمرضى والمواطنين.

كاريكاتـــــير