شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 22 مايو 2026م22:04 بتوقيت القدس

أمها مصابة ووالدها معتقل وهي "المعيلة"

غزة.. أن تتمنّى "الموت" طفلة!

22 يوليو 2024 - 12:29
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"يا رب أموت وأرتاح"، بهذا الدعاء لفتت الطفلة هبة أبو نادي أنظار جميع النازحين في طابور تعبئة مياه الشرب، بينما كانت تحمل جالونين كبيرين.

بعيونٍ دامعة أجابت سيدةً لامَتها: "بدي أخلص من هالجحيم، ومن قهر الخيمة، والمسؤولية الكبيرة اللي عندي".

تبلغ هبة من العمر 10 أعوام، و"تعافر" -على حد تعبيرها- في هذه الحياة، لتستطيع القيام بواجباتها الأسرية، بدلًا عن أمها المصابة، ووالدها المعتقل. ليس فقط في جلب الماء، بل في كل تفاصيل حياة النزوح المأساوية.

تقول: "في كل صباح أستيقظ أنا وأخي الأصغر، نبحث عن مياهٍ صالحة للشرب، ثم نذهب إلى شاطئ البحر لتعبئة المياه الخاصة بغسيل الملابس والأطباق، وبعدها نقف في طابور المخبز لتأمين نصف ربطة خبز بسعرٍ جيد، ومن ثم نواصل السعي بحثًا عن زرقنا حتى الليل".

أصيبت والدة هبة خلال نزوح عائلتها من مواصي رفح، برصاصةٍ في الكتف، بينما اعتقل والدها عند الحاجز لحظة النزوح الأول من شمالي قطاع غزة، حيث كانوا يسكنون، "ومنذ ذلك الحين، لا معيل لنا، أنا وأمي وأخوتي شربنا المر كي نستطيع تأمين لقمة العيش" تعلق.

لهبة أربعة أخوة، وهي الكبيرة بينهم. استقروا الآن وبعد عدة مراتٍ من النزوح في خيمةٍ بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، لكنها ترى حياتها بلون النار كما تخبرنا، وتزيد: "أخرج إلى السعي مع طلوع الشمس، وأعود في الليل. نبيع أنا وأخي المعلبات، ونبحث عن أرزاقنا أينما كانت، كي لا تموت عائلتي من الجوع".

ترى هبة حجم المسؤولية كبيرًا جدًا بالنسبة لعمرها، فمنذ أصيبت أمها لا تقوى على فعل شيء، "ناهيكم عن الألم المستمر الذي لا يفارقها".

ما يؤلمها أكثر، أنها غير قادرة على التخفيف عن أمها وقع الوجع، ولا حتى المساعدة في الحصول على العلاج المناسب.

"كان حلمي أن أصبح ممرضةً عندما أكبر، لكن انظروا إلى حالي الآن. أنا هنا أطارد الحياة من أجل أمي وأخوتي".

تحكي هبة: "كان حلمي أن أصبح ممرضةً عندما أكبر، وأن أتلقى حقي في التعليم كما باقي أطفال العالم، لكن انظروا إلى حالي الآن. أنا هنا أطارد الحياة من أجل أمي وأخوتي".

تسرح قليلًا، وتتابع بنبرة قهر: "لو كان أبي بيننا، لخفف بعض الأعباء عن كاهلي. قلقون جدًا عليه، ونفكر به كثيرًا. في كل مرة نسمع أخبار الإفراج عن أسرى، أذهب أنا وأخي مشيًا على الأقدام إلى مستشفى شهداء الأقصى؛ لنبحث عنه بين أسماء الأسرى المفرج عنهم، ونعود بخيبة كبيرة".

وتعكس قصة هبة أبو نادي جانبًا مؤلمًا من آثار الحرب المستمرة على قطاع غزة، التي يدفع فيها الأطفال الثمن الأكبر من القصف، والموت، والجوع، والألم، والتشريد، وفقدان الأمان.

تصف الطفلة وضعها الصحي بوجع وإرهاق، وتقول: "تعبت، تعبت كثير، عندي وجع في ظهري من حمل المية، وبدعي إني أموت علشان أرتاح".

ويعيش مئات الآلاف من الأطفال في قطاع غزة حاليًا في مخيمات النزوح، أو أماكن سكن غير مناسبة، بعد أن نزح مئات الآلاف منهم مرات عديدة، بدءًا من مدينة غزة وشمالي القطاع، منذ إعلان دولة الاحتلال الإسرائيلية حربها في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي.

يتعدّى هم هبة البحث عن الماء والطعام، إلى البحث عن الحطب، "لذلك لا مجال للتعب، لا مجال للتكاسل، ولا للعب حتى" تقول.

يتعدّى هم هبة البحث عن الماء والطعام، إلى البحث عن الحطب، وجمع بقايا الخشب والنايلون والورق من الشوارع، في ظل درجات الحرارة المرتفعة، ثم إشعالها بمساندة من الجيران لتحضير الطعام. "وهذه المهمة تُعدُّ الأصعب علينا" تضيف.

ومنذ بدء الحرب، ونفاذ الوقود، أو إدخالها بكميات شحيحة جدًا، يعتمد سكان قطاع غزة على جمع الحطب وما شابه من الوسائل البديلة، لاستخدامه في طهي الطعام، وإنضاج الخبز، وتسخين المياه، وتلبية متطلباتهم اليومية.

وحول أمنياتها المستقبلية، تزيد بحرقة: "بدي تخلص الحرب. بدي أرجع لحياتي اللي قبل، بدون قصف، ولا أصوات الصواريخ. بدي أشوف أبوي وتطيب أمي".

في اليوم الذي لا تتمكن فيه هبة من الخروج بسبب التعب، يموت أخوتها جوعًا وعطشًا، "فأخوتي أطفال صغار، لا يستطيعون رفع الجالون، وأمي بالكاد تستطيع الحركة. لذلك لا مجال للتعب، لا مجال للتكاسل، ولا للعب حتى"، معبرةً عن شعورها الكبير بالألم كونها تعي أنها وأطفال غزة، الوحيدون الذين يعيشون هذه الظروف بين أطفال العالم كله.

ووفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف)، فإن 17 ألف طفل من قطاع غزة، أصبحوا من دون ذويهم، أو انفصلوا عن عائلاتهم خلال الحرب. وتعتقد المنظمة، أن جميع الأطفال في القطاع، باتوا بحاجة ماسة إلى دعمٍ في مجال الصحة النفسية.

كاريكاتـــــير