شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م19:53 بتوقيت القدس

ترافقها ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية

"إخلاء".. "ذُعر" الحرب في كلمة!

17 يوليو 2024 - 16:43

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"خرجتُ من مدينة غزة تقتلني الحيرة. لا أعرف أين المقصد! كانت بداية المعاناة نزوحًا متكررًا ثم مجاعةً لم يستطع أبنائي المرضى احتمالها"، هكذا وصفت الأرملة سهام الزهارنة (55 عامًا)، حالها، كمعيلٍ وحيد لأبنائها الأربعة الذين يعانون إعاقات ذهنية، وتشنجات ونوبات صرع.

نزحت الزهارنة نحو 10 مرات داخل مدينة غزة، وبحكم حال أبنائها، لم يكن النزوح مجرد انتقال، كان معاناة مرت خلالها بكل الخطوب. مجزرة الشجاعية، واقتحام مستشفى الشفاء. وقصف الأحزمة النارية في كل مكان. تقول: "أمسك بيد واحد، وأجر كرسي الآخر، وأحمل الأغراض على ظهري، كل هذا وأنا وحدي".

كان البحث عن الماء والطعام أيضًا، وعن مصدر كهرباء لشحن الهاتف، مسؤولية سهام أيضًا، لكن عندما بدأت المجاعة في الشمال لم يحتمل أبناؤها الوضع، فقررت النزوح هذه المرة نحو الجنوب.

حتى وصلَت إلى جنوبي وادي غزة، مرت السيدة بالحاجز المر، هو ذاته "الممر الذي يطلق عليه الاحتلال مسمّى آمن"، وهناك أطلق صوبهم الجنود النار، واعتقلوا الكثير من الشبان والفتيات. "وكانت الجثث ملقاة على جانبي الطريق" تضيف.

جلَست سهام في خيمة، مع ابنها وزوجته. كانت الخيمة مكتظة بأفراد العائلة الذين وصل عددهم لـ 15، وبينهم أولادها المرضى.

كانت الوجهة مدينة رفح، أقصى جنوبي قطاع غزة، حيث جلست في خيمة، مع ابنها وزوجته. كانت الخيمة مكتظة بأفراد العائلة الذين وصل عددهم لـ 15، وبينهم أولادها المرضى. مكثوا هناك فترةً قصيرة، ليتجدد النزوح مرةً أخرى إلى النصيرات وسط القطاع، بتكاليف باهظة.

تعقب السيدة بأسى: "مجرد التفكير بالبحث عن مكان جديد يقتلني، وأنا التي بالكاد أستقر، وأستطيع تدبير شؤون أولادي المرضى".

توقفت عن الحديث للحظات، وبكت، ثم أكملت: "والله تعبت، أصعب نزوح النزوح المفاجئ، لم نستطع أخذ شيء، كل ما نريده النجاة بأرواحنا فقط".

إبراهيم أبو عبيد (٤٠ عامًا) أب لخمسة أطفال يقطن في معسكر جباليا، لم ينزح إلى جنوبي القطاع، وأصر أن يبقى في منزله. "لكنني نزحت مرات كثيرة داخل المدينة. في كل مرةٍ كنتُ أعود فأجد جزءًا أكبر من بيتي متضررًا، حتى عدتُ مرةً فلم أجد له معالم".

يقول: "في كل مرة يتكرر نفس السيناريو، لا أعرف أين أذهب، حتى بيت أهلي في الشيخ رضوان، قُصف على رؤوس من فيه".

ويكمل: "نزوح الأطفال أنهكهم نفسيًا. لم يعد لديهم أي إحساس بالهدوء النفسي والاستقرار، وما زال الحال مستمرًا، طفلي يسألني أحيانًا: متى سنعود؟ وهو لا يعرف أنه لم يعد لدينا بيت نعود إليه".

المواطن مصطفى حوسو (33 عامًا) أيضًا، تعددت مرات نزوحه جنوبي القطاع، فمن خانيونس لرفح إلى دير البلح، معاناة كبيرة عاشها برفقة أهله وأطفاله، ناهيكم عن صعوبة التنقل كل مرة، مرةً بأغراضهم، ومراتٍ من دونها، وفي كل مرة يصلون وجهتهم بمبالغ خيالية، ليست في مقدرتهم أصلًا.

يقول: "عندما تكون معيل أسرة جميع أفرادها من الأطفال، وكبيرهم بعمر ٧ سنوات، يعني أن لا أحد يستطيع مساعدتك بشيء، مجرد التفكير بالنزوح يُتعب القلب، بين إيجاد المواصلات، وفك وتركيب الخيمة.. وكل ذلك يجب أن يكون في يوم واحد".

الأخصائية النفسية أمل نجم، أكّدت أن النزوح يسبب ضغوطات نفسية واقتصادية، واجتماعية كبيرة، لجميع المراحل العمرية. "وهذه الضغوطات لن تزول حتى بعد انتهاء الحرب، وتحتاج إلى متابعة علاجية منتظمة".

وقالت: "سواء الإصابة بفقدان عزيز، أو منزل، إضافة للعوز المادي، والمجاعة التي ضربت مناطق الشمال في قطاع غزة، والنوم وسط الذعر من فكرة القصف المفاجئ، أو الإخلاء المباغت. هذا كله خلق زعزعة نفسية كبيرة لدى المواطنين بشتى الأعمار".

ونبهت إلى أن الطفل يشعر بالاستقرار النفسي في حالة استقراره مكانيًا، وهذا حاليًا غير متوفر بالنسبة للفلسطينيين في قطاع غزة، حيث النزوح المتكرر، الذي أصاب الكثيرين بحالات اكتئاب، وأثر على تعاطيهم مع المجتمع المحيط، وتسبب بالكثير من المشكلات العائلية وحالات الطلاق.

ووفق نجم، يختلف مدى التحمل من إنسان لآخر، "وتعدد الصدمات يؤدي نهايةً إلى اضطراب ما بعد الصدمة، الأمر الذي يجعل من الحرب النفسية حربًا أخرى بعد الحرب"، متابعةً: "من هنا نؤكد على أهمية المتابعة النفسية للأطفال قدر المستطاع أثناء الحرب، ومساعدتهم على تفريغ مشاعرهم، وترميم ما هدمه الاحتلال من صلابتهم النفسية".

وتشير إلى أهمية البدء الفوري ببرامج الرعاية والدعم النفسي للأطفال والبالغين أيضًا في قطاع غزة، بمجرد انتهاء الحرب، لانتشالهم من تبعاتها النفسية، التي من شأنها أن تخلق مجتمعًا متزعزعًا نفسيًا تنخره المشكلات وإن لم تطفُ على السطح.

كاريكاتـــــير