رشا فرحات
تحت الأرض يرقد ذلك الابن، ربما الى الأبد ، مع حفنة أخرى من الأطفال والكتب، والأزهار، وبعض قطع من حلوى، سقطت بين الاصابع سهواً، فماتت دفنا، وهي تذوب على شفاه الأطفال الراجفة.
الأعداد كثيرة، لم يعد هناك وقت لعدها، الأرواح المدفونة فوق الأرض تكومت كتلال من روائح مختلطة، أشغلت كل الأحياء، وتناوبوا على حمل التلال الى مراقدهم الأخيرة، روائح حموضتها لم تعد تطاق، اعتيادية الموت، تجعلهم كآلة ترفع وتضع، وبدلاً من الدمعة وجوه صفراء محدقة الى السماء، تراقب الأقدار خلسة، لعلها ترسل الموت صاعقة على أي من الناظرين، ليفهم الحكاية.
وعلى الصخرة الباقية أم تجلس، تجحظ عينيها، تلف شال من السواد على فمها المرتجف، وتداري دمعتين، الى جانبها تتكوم أضرحة المنازل المهدمة فترتفع وتزيد الجبال عدداً ، وعلى أطراف الممرات المثقلة بالوجع، المزهوة بالنصر أم ترقد، على حدود النصر، مفصولة بين الهزيمة و الهزيمة، ترضع وليداً جاء، وتودع وليداً رحل، اسمها لم يكن مدون ضمن الوثائق، لم توقع عقداً مع الموت، وكذلك بقية الراقدين، وذلك الرجل المبتسم على الدوام، يفترش فرحته فوق الرصيف المقابل، ويلتفت الى بيته المنصوب في منتصف الركام، ونوافذه المطلية باللون الأخضر، يسأل عن أسباب بقاءه حتى الآن.
عودة مؤلمة
صباح هادئ، على غير العادة، يفتح باب المدرسة الأزرق فتدخله وجوهنا البيضاء الزاهية مبللة برذاذ المطر، تمشي خطواتنا مثقلة الى الساحة الواسعة الموشحة ببعض من صخور مفتتة نعلم جيدا من أين أتت، لا نستعجب ولا نسأل، ننظر في عيون بعضنا البعض، الاجابة مرسومة بإتقان على الشفاه الصامته، في اعتيادية الدمار، تقلب المعادلة، لا مكان للابتسام، أو ربما لا وقت، ولا للحديث، الحديث ثقيل، وصعب، والصمت أصعب.
مديرة المدرسة تنظر الينا من بعيد، نلمح على طرف العين تردداً يلمع كقطرة دمع ساخنة، ننكس رؤوسنا، لا ادري لماذا؟!! ربما حزنا.
طفلة من خلف الأحزان تبتسم، المحها من بعيد، ارسل لها ابتسامة بلهاء، لا أفهم مقصدها. الحزن أيضا بدا واحداً من تلك الأشياء الاعتيادية، في مدينة الموت أنت واحد من أرقام، أنظر الى طوابير الفصول الواقفة، أعد واحد، اثنان، ثلاثة.
تسحب المديرة مكبر الصوت، وتدمدم، بأحاديث كثيرة، تذكر أبيات من الشعر، ترفع صوتها أكثر، دمدماتها تتحول الى ثرثرة، تحاول أن تلطف من صوت حنوها فتظهر أكثر وداعة من ذي قبل، لا أقتنع، لا يقتنع رفاقي، المح وجه فتاة باكية تحدق في المجهول، لا فضول لدي لمعرفة سبب بكاءها، دون سؤال أو أجوبه نشاركها التحديق أيضاً، يرتفع صوت المديرة في مكبر الصوت، تزمجر بطريقتها المعتادة، ننكس الرؤوس، بصمت نلج الى داخل الصفوف الحزينة، نكنس ما تبقى من زجاج الذاكرة المتناثر على أطراف النوافذ، ونتطلع ببعضنا بصمت، نبدأ العد، واحد ، اثنان، ثلاثة، أربعة، نحسب العدد ثم ندون، خمسة رفاق لن يعودوا بعد اليوم.
























