غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تقف فوق ركام المنازل المدمرة وسط مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، فتصلك رائحةٌ لا تشبه رائحة الحرب بشيء. رائحة قرشلة!
في قعر حاصلٍ مدمّر استأجره النازح من مدينة غزة القديمة، سلامة الدهشان، بدأت الحكاية. هناك، بدأت مخبز الدهشان بالعمل من جديد، بعد أن دمّره القصف في غزة القديمة. عاد يصنع المقروطة بالعجوة، والقرشلة، والغريبة، والمعمول للنازحين على عين الحصار، والإغلاق، وشح الآلات والمواد الخام.
نزح الدهشان وحده إلى جنوب وادي غزة، برفقة بعض عمال مخبزه الأول، فيما آثرت عائلته البقاء في المدينة التي أكلها القصف والجوع والحصار. استأجر الحاصل، وبدأ بالعمل، حتى بدأت العملية البرية في مدينة خانيونس.
يقول الرجل لـ"نوى": "عندما بدأ مواطنو المدينة بالنزوح نحو رفح، آثرت البقاء، كان على المصنع الصغير أن يستمر من أجل الذين بقوا، لكن الاحتلال لا يترك فرصةً للحياة في أي مكانٍ إلا ويحاول اغتيالها. اتصلوا بي بشكلٍ مباشر، ضابط المخابرات تحدث إلي وطلب مني الإخلاء فورًا لأن المصنع سيُقصف، وكل شيءٍ حوله كذلك".
كل ما عاد وبناه ضاع! لم يأخذ معه شيئًا، غادر المكان وحسب، حمل على ظهره أنبوبة غاز وحمل عماله خزان ماء. يعقب: "لم يبق شيء من المخبز الجديد بعد أن قُصفت المنطقة".
سبعة أشهر في رفح، بدون عمل. لا يعرف ماذا يفعل، فكل ما حمله معه من مالٍ أثناء نزوحه، أنفقه على تجهيز مصنعه المؤقت بخان يونس. استمرّ على حاله حتى انسحب الجيش من خان يونس فعاد إليها، ليصدمه هول الدمار هناك "وكأنما زلزالًا ضربها، حتى المخبز لم يتبق له أثر" يخبرنا.
في نفس المكان، وعلى أنقاض المخبز، بدأ برفقة العاملين معه، بإنقاذ ما يمكن إنقاذه. اشترى ألواح زينكو، وغطى الجدران المدمرة، واستصلح المعدّات قدر المستطاع، ثم أعلن افتتاح المخبز من جديد مطلع مايو/ أيار الماضي.
لم تمر إلا بضعة أيام، حتى حلت فوق رأسه مصيبة جديدة. لقد اجتيحت رفح، وأغلق المعابر، ولم يعد هناك منفذ لدخول المواد الأساسية. "شحت المواد الخام، وإن تواجدت فثمنها يفوق السعر الحقيقي أضعافًا مضاعفة، ناهيكم عن الوقود الأساسي لتشغيل المولد الذي يعمل الفرن من خلاله".
يضطر الدهشان للبحث طويلًا عن كل ذلك، ويشتريه ولو بالخسارة كي يستمر في عمله! يضطر للذهاب إلى أسواق وسط وجنوبي القطاع بحثًا عن اليانسون، المكون الأساسي للقرشلة، كذلك زيت الطهي والسكر الذي يرتفع ثمنه ويختفي من الأسواق من حين لآخر.
غياب بعض المواد الخام في السوق دفع الدهشان لعدم إنتاج بعض الأنواع من المخبوزات، أو إنتاجها بدون بعض الأساسيات المعتادة، يتابع: "أضطر لعمل القرشلة دون وضع سمسم لأنه غير متوفر، كذلك الكعك والمعمول يحتاجون للسمنة، وهي غير متوفرة البتة، ناهيكم عن عدم تواجد ماكينة الخبز، وهذا جعلني لا أنتجه أبدًا".
أما توفير المياه فهو معاناة كبرى يعيشها الدهشان. يقول: "أذهب بسيارتي لشراء كوب المياه، وأبقى أكثر من ثلاث ساعات في الطريق بسبب الشوارع المدمرة"، يكمل: "إذا توفر الغاز، نرفع المياه من خلال المولد، وأحيانًا كثيرة نُضطر لرفعه عبر الجرادل لنكمل العمل".
يفتح المخبز أبوابه الساعة السادسة صباحًا، ويغلقها تمام العاشرة مساءًا، وينتج يوميًا أكثر من 500 كيلو من القرشلة والبيتفور والغريبة، بأسعار متوسطة. يعلق سلامة قائلًا: "يمكنني وصف الإقبال بـالجيد جدًا في ظل انعدام الحاجيات من السوق".
وعن أكثر ما آلم قلب الدهشان في الحرب، يزيد: "حين جاءني خبر استشهاد أبي الذي ورثت منه هذه المهنة، وبعد عشرين يومًا استشهد أيضًا أخواي، ثم لحق بهما أخي الأكبر، ودُفنوا جميعًا في قبرٍ واحد".
"خسارة الأرواح لا يمكن تعويضها" هكذا عبر الدهشان عن فقدانه لأفراد عائلته، خاصة بعدما خسر أكثر من مئتَي ألف دولار بعد تدمير الاحتلال الإسرائيلي لمخبز الدهشان الرئيس في مدينة غزة، إلى جانب بيوتهم.
وعن أمنيته التي يسعى لأجلها، يقول: "سأستمر في عملي الذي ورثتُه عن أبي، وجودنا على هذه الأرض صمود، واستمرارنا في العمل لتلبية احتياجات الناس تجذّر. نحن لسنا شعب مساعدات، نحن نعمل من أجل سد جوع عيالنا، وهذا ما على العالم كله أن يفهمه".
























