غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بحذر وترقب شديدين يجمع النازح جهاد أبو منديل بيديه محصول القمح. لقد دفعه خوفه من الاجتياح البري لبدء الحصاد قبل موسمه المفترض بداية يونيو/ حزيران المقبل.
يصر جهاد رغم شح الإمكانيات وإغلاق المعابر، على مواصلة العمل يدويًا لتوفير قوت يوم عائلته التي نزحت من شرقي المغازي وسط قطاع غزة إلى خيمةٍ في دير البلح بسبب سوء الأوضاع الميدانية، واشتداد القصف.
ويخبرنا: "أستيقظ فجرًا، وأمشي قرابة 3 كيلومترات حتى أصل للأرض التي أعمل بها. ويا للأسف الكمية التي أحصدها اليوم لا تقارن أبدًا بما كنتُ أحصده قبيل العدوان الإسرائيلي على القطاع".
ويشرح بالقول: "كميات البذور التي زرعناها قليلة، إذ لم يكن لدينا بنزين أو سولار لتشغيل التراكتورات من أجل حراثة الأرض، وإذا ما وجدناه فسعره أضعاف مضاعفة، ناهيكم عن أن أي صاحب محراث آلي، كان يرفض الاقتراب من المنطقة خشيةً على حياته".
يحصد المزارع أبو منديل 300 كيلو من القمح يوميًا، وهذا يعني أنه لن ينتج خلال الموسم كله سوى 100 كيس طحين، على عكس المواسم الماضية التي كان ييحصد خلالها أكثر من 700 كيلو قمح في اليوم الواحد.
حشرجة خنقت صوته وهو يحكي: "أحصل يوميًا على 30 شيكلًا لا تكفي لشراء أدنى الاحتياجات الأساسية، في ظل هذا الغلاء الفاحش. كيلو البندورة اليوم ثمنه أضعاف ثمنه ما قبل الحرب، فصرت أشتريها بالحبة".
نجا أبو منديل أثناء حصاده القمح من أرضه من موتٍ محقق عدة مرات، حين قصفت الطائرات أراضٍ مجاورة فتطايرت الشظايا وأحرقت الأرض.
لأكثر من مرة، نجا أبو منديل أثناء حصاده القمح من أرضه من موتٍ محقق، حين قصفت الطائرات أراضٍ مجاورة، وتسببت بتطاير الشظايا على المحاصيل، وحرقها بمساحاتٍ شاسعة، تجاوزت دونمًا من أصل خمس دونمات يملكها.
لا أحلام في غزة، ولا أمنيات اليوم إلا أن تنتهي الحرب، هذا ما يؤكده الرجل الذي صار جل همه توفير لقمة عيش أطفاله، ومكانٍ آمنٍ يستر روعهم، ويعانق مخاوفهم تحت قصفٍ لا يفرق بين أحد.
في الأرض المجاورة، يحني الفتى أنس (17 عامًا) ظهره تحت أشعة الشمس الحارقة في ساعات الظهيرة، في محاولةٍ لتكويم ما جمعه من القمح فوق بعضه البعض. يقول: "أربط الأغصان كل مجموعة على حدة، وأجهزها للوضع بشكلٍ سليمٍ داخل الشاحنة من أجل إرسالها للمصنع الذي سيعمل بدوره على طحن الحبوب".
ويحدثنا: "أنام ولا أشعر بجسدي لشدة التعب. أقل ما يمكن أن يصيبك في هذا الجو، حيث يستمر العمل لسبع ساعاتٍ يوميًا مع نقصٍ في الإمكانيات، والاعتماد على الأيدي في العمل، هو ضربة شمس من العيار الثقيل".
يعيش أنس اليوم لأجل أمنيةٍ وحيدة، هي توفير لقمة العيش لعائلته، ولو اضطره ذلك للوقوف في وجه الموت وحده.
في مثل هذا الوقت من العام الذي مضى، كان أنس على مقاعد الدراسة يجاهد من أجل حلمه في دراسة العلوم. لكنه اليوم يعيش لأجل أمنيةٍ وحيدة "توفير لقمة العيش لعائلته ولو اضطره ذلك للوقوف في وجه الموت وحده".
يستطرد في الحديث عن متاعبه: "أجلس طوال الوقت على ركبتَي من أجل الحصاد، وهذا تسبب بآلام شديدة في مفاصلي وعظامي، ناهيكم عن الأشواك التي أقضي الليل في محاولةٍ لنزعها من بطن القدم، والألم المرافق لذلك"، مستدركًا: "لكن رغم ذلك، يبقى هذا العمل أفضل من لا شيء. إنه يساعدني على سد احتياجات أسرتي ولو بأقل القليل".
إلى جانبه كان يقف أبو يحيى. ابتسم حين توجهنا إليه بالسؤال عن طبيعة العمل وقال: "الحمد لله، كانت فرحتي لا توصف عندما حصلت على أول يومية لي بعد عملٍ دام من الفجر حتى مغيب الشمس. استطعتُ شراء الخضار لأسرتي بعد انقطاع"، متابعًا: "أصبح أكبر أحلامنا شراء البندورة والخيار".
"الحرب أثرت علينا بشكل كبير وسلبي. فجأة ضاعت حياتنا وصرفنا تحويشة العمر، لذلك أنا بحاجة للعمل رغم المخاطرة الكبيرة هنا"
ويزيد: "الحرب أثرت علينا بشكل كبير وسلبي. فجأة ضاعت حياتنا وصرفنا تحويشة العمر، لذلك أنا بحاجة للعمل رغم المخاطرة الكبيرة هنا، والاستهداف المحتمل لنا في أية لحظة".
ويواصل المزارعون حصاد القمح، ليساعدوا عائلاتهم على الصمود، ويدعموا قدرة النازحين على الثبات أطول فترةٍ بعيدًا عن بيوتهم وعائلاتهم. لقد صار رغيف الخبز دون أدنى مبالغةٍ بغزة، مغمسًا بدم الفقراء والمطحونين المحاصرين بين فكي احتلالٍ دموي.
























