غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"عندما لم أجد قبرها، صرختُ بأعلى صوتي أنادي عليها.. وينك يا ماما؟ وينك يا حبيبتي؟ رُدي علي" تقول والدة الشهيدة فاطمة أبو جامع في وصف صدمتها حينما رأت قبر ابنتها وقد أضحى ترابًا.
قبر فاطمة، جرّفه الاحتلال مع مئات القبور في مقبرة المستشفى الأوروبي بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، أثناء محاصرته لما يزيد على ثلاثة أشهر، وهكذا لم يعُد لأمها ما يهوّن ألم الفراق. لا بيتًا يحمل ذكريات فاطمة، ولا قبرًا يضم جثمانها الهزيل.
تقول: "ذهبتُ إلى المقبرة بعد نزوحي لأكثر من 5 أشهر كي أشكو لفاطمة حزني بعد تدمير بيتنا، ولمّا وقفتُ أمام المشهد شعرتُ بأنني سأقع مغشيًا علي، لا ملامح لأي قبرٍ هنا! مشيتُ شرقًا وغربًا، وبحثتُ في كل مكان فلم أجد أي شيءٍ يدل على أن قبرها كان هنا أصلًا".
كانت أم فاطمة تواسي نفسها بأنها ستنقل جثمان ابنتها إلى جوار جثمانَي ابنيها اللذان توفيا قبل سنوات، لكنها تجرعت مرارة الصدمة مرةً أخرى عندما رأت مقبرة بني سهيلا وقد جُرّفت بالكامل، "كل آمالي خابت. لم أجد قبور أي من أبنائي! لقد فقدتهم مرةً أخرى".
وكان من المفترض أن تسافر فاطمة -وهي مريضة سرطان- لاستكمال علاجها بتاريخ التاسع من تشرين أول/أكتوبر 2023م، لكن الاحتلال تعمد تأخير تحويلتها، فأصيبت بمضاعفات كبيرة أدت إلى استشهادها.
وتبكي والدة فاطمة وهي تسأل: "أين قبور أبنائي؟ أريد أن أضع شواهد عليها كي أزروهم، ويطمئن قلبي".
الوجع ذاته عاشته والدة الشهيدة كوثر أبو مصلح، التي لم تجد قبر ابنتها بعدما تم دفنها بجوار مبنى الكلى في مستشفى ناصر الطبي بخان يونس بتاريخ 21/1/2024م.
تقول لـ"نوى": "منذ انسحاب الاحتلال من المدينة، وأنا آتي كل يوم للمستشفى كي أبحث مع طواقم الدفاع المدني عن جثمان ابنتي، لكن حتى الآن لم أجده".
استشهدت كوثر بعدما قصف الاحتلال منزل عائلتها، ولم تكن تبلغ من العمر وقتها سوى 23 عامًا.
تعلق والدتها بالقول: "رحلت بعمر الورد دون أن تحظى حتى بقبرٍ يضم جثمانها"، مؤكدةً أنه وعلى الرغم من الروائح الكريهة والمشاهد المروعة لجثامين الشهداء الموضوعة في أكياسٍ سوداء، إلا أن زوجها يواصل البحث عله يجدها.
وتتساءل بقلب مقهور وعاجز: "شو ذنب ولادنا هيك يصير فيهم؟"، متابعةً: "بدلًا من أن يعيشوا شبابهم، ماتوا دون قبرٍ حتى، أو شاهدٍ يدل على مكانهم، فيُوصلنا إليهم حين نشتاق للحديث معهم".
وانطفأت نيران قلب والدة الشهيد نبيل زيدان أخيرًا، بعدما حظيت بإيجاد جثمان ابنها بعد أكثر من ثلاثة أشهر! تقول: "أخبرني الدفاع المدني بأنه انتهى من عمليات انتشال الجثامين في مستشفى ناصر دون أن يجد جثمان ابني، لكنني لم أفقد الأمل، وبقيت هناك أبحث وأجول بناظري بين ذرات التراب".
صدفةً كانت أم الشهيد زيدان تجلس فوق قبر ابنها، وإحساسها هذه المرة لم يخِب. تقول: "أقسمتُ لطواقم الدفاع المدني مرارًا وتكرارًا أن جثمانه موجودٌ هنا، ولما يئسوا من استسلامي بدأت الجرّافة بعملية البحث".
قبل أن يبدأ السائق تحريك الكبّاش نادته: "أمانة ما تشيل إشي من هان ليتقطّع ابني". هنا أعاد عليها سائق الجرافة السؤال بإرهاق: "إنتي متأكدة يختي إنو ابنك هان؟"، لتجيبه ونبضات قلبها تعلو أكثر فأكثر: "آه والله، متأكدة.. ابني هان".
أزاحت الجرافة أكوامًا من التراب ليظهر على الفور جثمان شاب. تقول: "كان ابني.. صُدمتُ من أثار التعذيب على جسده، كانت كدمات زرقاء على طول الجهة اليمنى، وعلى رأسه طبع الجنود علامة نجمة داود الحمراء، ورسومات ساخرة"، وتتابع وهي تبكي: "يبدو أنهم كانوا يتسلّون بتعذيب وقهر الأسرى، ويقضون وقتًا ممتعًا على صوت أنّاتهم وصرخات وجعهم".
تستدرك: "لكن لم تتغير ملامح ابني أبدًا إلا من آثار الشظيّة التي أصابته، ولم يتحلل جسده، وسبابته كانت مرفوعة. هذه كرامات الشهادة والحمد لله ابني نالها".
بالزغاريد زفت أم الشهيد زيدان ابنها، بعدما ضمته لصدرها وطبعت على جبينه قبلة الوداع الأخيرة، وصولًا للمقبرة التي ضمت جثمانه. وهناك وضعت لقبره شاهدًا كتبت عليه اسمه. تُكمل: "كان اختفاء جثمانه جبلًا من الوجع فوق قلبي، والحمد لله الذي ساعدني لأجده".
تشعر السيدة بالقهر على حال من لم يجدوا جثامين أبنائهم بعد تجريف المقبرة، وتتساءل: "كيف ينامون ليلهم؟"، مردفةً: "أعرف أنهم لا يعرفون للنوم طعمًا، وأعرف أن قلوبهم ممزقة. لقد عشتُ هذا الشعور، كان الله في عونهم".
وروى شهود عيان لشبكة "نوى" بعض المشاهد التي رصدوها أثناء عمليات الانتشال. أحدهم قال: "كان هناك جثث لمرضى موجودين بالعناية المركزة، ويرتدون الحفاضات، وجثث لشباب أعدموا ميدانيًا، ومعظم أقدامهم مبتورة. وجثث أخرى مربوطة الأيدي بكلبشات بلاستيكية نحو الخلف".
وأضاف شاهدٌ آخر: "كانت مشاهد مروعة. أغلب الجثث كانت متحللة، وأخرى كان عظامها مكسورة!".
وكان الدفاع المدني أعلن انتشال 392 شهيدًا من ثلاث مقابر جماعية في خان يونس جنوبي قطاع غزة، وأردف: "انتشلنا 20 جثة لأشخاصٍ، أغلب الظن أنهم دُفنوا أحياء".
وأشار الدفاع المدني إلى أن طواقمه وجدت جثمانًا "تم تخييط أجزاءٍ منه، ما يثير شكوكًا حول سرقة بعض أعضائه" وفق ما قال في تصريحات مختلفة.
























