شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 23 مايو 2026م07:43 بتوقيت القدس

مجزرة الشفاء.. وصورةٌ لـ"جهنم" في ذاكرة أم سعيد

24 ابريل 2024 - 14:48

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"لم أستوعب أنني خرجتُ وطفلي آدم من هذه المجزرة على قيد الحياة"، قالتها أم سعيد الخليلي ثم غابت في دوامة صمتٍ طويلة. إن ما عاشته على مدار 9 أيام بين الدبابات والجثث وتحت أزيز الرصاص، ليس من السهل أن يُنسى.

لم تستطع السيدة ترتيب الأحداث كثيرًا، فهي تعيش حتى اللحظة صدمة ما حدث في مستشفى الشفاء، التي انجلى الانسحاب منها عن مجازر مروعة راح ضحيّتها نحو 300 إنسان، واعتقال المئات، وحرائق جعلت من نهار الحصار فيها "جهنّم" على سطح الأرض.

بدأت من حيث اندلعت الحرب في السابع من أكتوبر من العام الماضي، عندما كانت تسكن منطقة ساحة الشوا وسط مدينة غزة، ثم نزحت إلى بيت أهلها في منطقة المحطة، ظنًا منها أنها آمنة نسبيًا. هناك، قُصف بيتٌ قريب أصيب على إثره ابنها "آدم" بجراحٍ خطيرة، فانتقلت برفقته إلى مستشفى الشفاء.

أجرى الطفل عملية جراحية، وثُبّتت قدمه بالبلاتين، لكن حدثت له مضاعفات صحية كبيرة، تسببت بانتفاخٍ في الركبة، ثم غرغرينا وبتر، ما دفع الأطباء لإبقائه في المستشفى للتأكد من تمام شفائه.

تخبرنا: "في الساعة الثانية ليلًا، فوجئنا بقصف جنوني ومرعب، ثم تحرك للدبابات باتجاه مستشفى الشفاء. حوصرت المشفى، وعمت في الداخل حالة من الرعب والذهول. نسمع أصوات الجنود وصراخ الأطفال ولا أحد يدري ما الذي يجري".

كانت أم سعيد مع طفلها في قسم الاستقبال حيث أُدخل جميع النازحين. كانت طوال الوقت تبكي وتتضرع إلى الله أن يخرجها وطفلها من تحت أسناس الموت سالمين، حتى بزغ صبح اليوم التالي.

تقول: "في ذلك اليوم، نادى الجنود على الناس كي يخرجوا، فاعتقلوا بعض الشبّان وأعدموا آخرين. كنا نسمع أصوات إطلاق النار والقذائف، وتصلنا أخبارًا أن فلان تم إعدامه، وهذا زاد من حالة الرعب والفزع. بدا كل واحدٍ منا وكأنه ينتظر أجله".

وتكمل: "في تلك اللحظات، طفلي آدم، وحينما شعر أن الموت يحيط به من كل اتجاه، كتب على ورقةٍ صغيرة "أحبكم". لقد كان يؤمن أن شقيقاته ووالده سيرونها إذا بقوا على قيد الحياة، وسيعرفون أنها بخط يده".

كانت أم سعيد طوال الوقت تحاولُ إبعاد آدم عن رؤية ما يحدث في الخارج. لكنه كان خائفًا، تعقب: "أعدموا أشخاصًا، وردموا جثثهم بالرمل وجرفوا المكان وأخرجوا جثثًا كانت مدفونة في ساحة المستشفى. حتى النازحين الذين خرجوا كانوا يمشون فوق الجثث".

من وسط إطلاق النار والنيران المشتعلة، خرجت أم سعيد تجرّ طفلها على كرسيٍ متحرك من باب مستشفى الشفاء الخلفي، لم يكن في الشارع سواهما والدبابات، والطائرات الحربية تحوم فوق رأسيهما، والقصف يحيط بهما من كل اتجاه، والرعب يسيطر على قلبيهما وكأنهما يمضيان باتجاه الموت معًا.

تواصل الحديث: "فجأةً استنجَدَت بي سيدة كبيرة السن لمساعدتها على السير، هذه السيدة استشهد ابنها وابنتها خلال حصار المستشفى، فأخذتها معي وتوسلنا إلى الجنود، فنحن لا نستطيع السير، وأخبرناهم بأننا سنبقى داخل بيتٍ قريب من المستشفى".

بالفعل دخلت أم سعيد مع ابنها والسيدة إلى بيت نصف مدمر، وجلسوا فيه مدة 9 أيام، وسط القصف اليومي والاشتباكات والحرائق.

تكمل: "9 أيام من الرعب، لقد قُصف المنزل المجاور للبيت الذي نتواجد فيه وحرقه، حتى البيت نفسه طالته عدة قذائف، ووسط كل هذا الموت لم يكن بمقدورنا مغادرة المكان، فالمغامرة بالخروج أكثر خطورةً من البقاء رغم القصف".

حين خرجت أم سعيد من البيت لمحاولة تفقد المياه التي انقطعت، لم تصدق ما رأته من قصفٍ وحرقٍ طال البيت المجاور لها، وحتى البيت الذي تتواجد فيه، "كيف نجونا؟" تساءلت، وحمدت الله بعد أن كتب لها ولابنها وللسيدة المسنة عمرًا جديدًا.

عندما قررت أم سعيد ترك المكان، أحزنها وضع السيدة، فقررت أخذها معها، لكن وضعها الصحي كان صعبًا، كانت لا تستطيع السير أبدًا، وهنا، وضعتها مع آدم على ذات الكرسي المتحرك، وقادتهما إلى خارج المنطقة المحاصرة.

مر الثلاثة باتجاه منطقة أنصار وفقًا للطريق التي حددها الجيش الإسرائيلي، ولما حاولت سلوك طريقٍ آخر علّه يكون أقرب، أصابتها في يدها رصاصة قناص. لم تكن الإصابة خطرة لكنها فهمت أن الجيش يخبرها بأنه يراها، رغم أن ثلاثتهم في الوضع الذي كانوا عليه لا يشكلون أي خطر على الجنود المتمركزين في كل مكان.

واصلت السيدة السير حتى خرجت من منطقة الحصار وعادت إلى بيتها في ساحة الشوا. التقى آدم بعائلته أخيرًا، لكن أم سعيد انهارت لحظتها. لقد وصلت إلى بيتها بسلام، وهذا لا يصدق وسط دوامة الموت الكبيرة هناك.

ما زال آدم يعاني من تكلس في القدم، وهذا جعل طبيب العظام يطلب وقف العلاج الطبيعي، والعمل على تحويله للعلاج خارج قطاع غزة، وهذا يتطلب ممن الأم الانتقال بطفلها إلى جنوب قطاع غزة مبدئيًا.

وهنا تناشد الأم كل من يستطيع مساعدتها على الخروج من القطاع، بالعمل على إنقاذ طفلها آدم ليتلقى العلاج، خاصة وأن مؤسسة إنقاذ الطفل تكفّلت به، لكن تبقى الصعوبة الآن في خروجه من شمال القطاع، ثم توفير التحويلة الطبية له على الفور.

كاريكاتـــــير