شبكة نوى، فلسطينيات: دعاء شاهين- نوى
لم يكن لسان "مريم" يسكت عن الدعاء لحظة كي لا تضطر لترك منزلها والنزوح ببناتها الثلاث، اللاتي يعانين إعاقةً حركية.
رغم ذلك تقول "تجلت حكمة الله فتركت منزلي". حدث ذلك عندما صنعت صواريخ الاحتلال بلهبها حزامًا ناريًا أحاط بحي النصر غربي قطاع غزة حيث تقطن، وهنا ما كان لخيارٍ آخر من مجال.
مريم نصار، الأم الخمسينية "البطلة"، هكذا صار يناديها الناس في المدرسة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (اونروا) التي لجأت إليها في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، بعدما تركت بيتها، عندما كانوا شهودًا على تضحياتها وعطائها مع ثلاث بنات من ذوات الإعاقة الحركية، تتراوح أعمارهن بين 25 و30 عامًا وهن فاطمة، ومرح، وسمر.
داخل مركز الإيواء، الذي يفتقد أقل مقومات الحياة الأساسية، وغير الموائم للتعامل مع ذوي وذوات الإعاقة، تضاعفت معاناة مريم، وزادت على كاهلها المسؤولية الكبيرة أصلًا، لتصير مسؤولية "بالغة التعقيد" مع شابات كبيرات، يحتجن لداعمٍ وسند يعطي بلا كلل، وفي الوقت ذاته، يقدر على أن يكون "عكازًا" لا ينكسر في ظرفٍ كظرف الحرب هذه.
كانت طوال الوقت تحاول كبح جماح دمعتها كي لا تراها البنات فيبكين. إنهن حساسات جدًا تجاه حزن أمهن، فهي بالنسبة لهن كل شيء! كانت تريد أن تبقى قويةً جدًا خلال حديثها، تضحك لهنّ فيبادلنها الابتسام، وكأنها تخبرهنّ "أنا معكن، ولا شيء يدعو للخوف".
تقول: "اشتدّ القصف في ساعات الصباح قرب منزلي، فتضرر منزلي بشكل جزئي، وشعرت بالخوف على بناتي. هنّ لا يعرفن ما يحدث حولهن، فجهّزت الأمتعة الضرورية وبدأتُ بحملهن واحدةً تلو الأخرى على الكراسي المتحركة، وخرجت أدفعهن ثلاثتهن مسرعة".
وتضيف: "ساعدني بعض الجيران حتى وصلت لأقرب طريق، لكنني لم أجد مواصلات. صرت أبكي وأتوسل للفارين معي في نفس الطريق أن يساعدوني بجر الكراسي حتى وجدت اثنين بقيا معي إلى أن وصلت إلى ساحة مستشفى الشفاء مشيًا على الأقدام"
هناك، لم تكن الأمور ميسرة كما ظنت السيدة المتعبة، فقد طلب الاحتلال من النازحين هناك ترك المكان فورًا، لتبدأ فصلًا جديدًا من فصول المعاناة في نزوحٍ جديد، لم تكن تعرف إلى أين؟ أو كيف؟
تزيد: "مشيت برفقة بناتي 7 كيلومترات على الأقدام. كنت أجر الكراسي وجموع النازحين يتلقفونهن معي واحدًا واحدًا على خط صلاح الدين. كان قلبي يتقطّع على حالهن، وأحيانًا كانت مرح تقع عن الكرسي مع سرعة المسير، فأحملها وأعيدها إليه، لتعود فاطمة وتقع بعد مسافةٍ قصيرة! النازحون حولي مصابين ومرضى وكبار سن وأطفال، وكل واحدٍ منهم متعب ومشغولٌ بهمه".
جلست مريم في فصلٍ واحدٍ برفقة خمس عائلات، وكانت مشغولةً بكيفية تأمين دخول بناتها الحمام، وتوفير المأكل والمشرب والمنامة لا سيما في ظل انعدام وجود الفراش والأغطية.
من أصعب ما يمكن أن تمرّ به مريم في يومها، وقوفها في طابور الحمام مع البنات الثلاث، حيث هناك تنتهك خصوصيتهن في ظل الازدحام، مما دفعها للسعي في تدبير الحفاضات الطبية لهن بدل الذهاب إلى الحمام "وهذه حربٌ أخرى أعيشها مع ظروف النزوح المزرية" تقول، وتصمتُ قليلًا قبل أن تكمل: "ليتني أستطيع تخبئتهن في قلبي لأحميهن من كل ما يحدث معهن هنا اليوم".
























