شبكة نوى، فلسطينيات: أحلام حماد
ليست الحياة وحدها في غزة هي الاستثنائية، فالموت هنا استثنائي أيضاً، وله طقوسه الخاصة في ظل حرب إسرائيلية دموية ومدمرة، لم تبق ولم تذر، وحصدت أرواح الغزيين فرادى وجماعات، حتى أن جثامينهم لم تجد لها مكاناً في ثلاجات الموتى في المستشفيات، وتكدست في "مشاهد مؤلمة" في الساحات والممرات.
ومع تدفق أعداد الشهداء بنيران غادرة تنهمر على قطاع غزة، جواً وبراً وبحراً، وجدت مستشفى الشفاء كبرى المستشفيات في القطاع الساحلي الصغير والمحاصر، نفسها مضطرة إلى إقامة خيمة لجثامين الشهداء، بعدما فاضت ثلاجات الموتى بثلاثة أضعاف قدرتها الاستيعابية من الجثث.
وفي مشهد غير معتاد في قطاع غزة، أشرفت لجان مختصة من وزارات الأوقاف والشؤون الدينية والعدل والصحة والداخلية على مراسم دفن 63 شهيداً من ضحايا العدوان الإسرائيلي المستمر والمتواصل على القطاع منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، في "مقبرة جماعية" بعد تعذر التعرف عليهم، لما لحق بوجوههم وجثثهم من تشوهات وحروق.
وبحسب مدير عام المستشفيات في وزارة الصحة الدكتور منير البرش فإن هذه المقبرة الجماعية هي مؤقتة، إلى حين تعرف أي من الأهالي على ذويهم من الشهداء، ونقلهم للدفن في قبور فردية خاصة، وقال لـ "نوى": إن اللجوء إلى دفن الشهداء في مقبرة جماعية كان خياراً اضطرارياً، بعدما بدأت تظهر على جثامينهم علامات "تعفن" وانتفاخ، ولم يعد بالإمكان التعرف على هوياتهم، في ظل المجازر الدموية المتلاحقة التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة لليوم الثالث عشر على التوالي وأخفت عن الوجود عائلات بأكملها، ولا معلومات عن هؤلاء الشهداء ومصير عائلاتهم.
وأسفرت القوة الغاشمة التي تستخدمها دولة الاحتلال الإسرائيلي، بواسطة مقاتلات حربية وزوارق حربية والمدفعية، منذ اندلاع هذه الجولة من التصعيد التي أطلقت عليها المقاومة الفلسطينية اسم "معركة طوفان الأقصى" في مقابل التسمية الاحتلالية "السيوف الحديدية" عن أكثر من 3500 فلسطيني، وما يفوق 12 ألف جريح، نحو نصف الضحايا من الشهداء والجرحى هم من النساء والأطفال، بحسب توثيق وزارة الصحة ومنظمات حقوقية، الأمر الذي شكل ضغطاً هائلاً على مرافق المستشفيات، و"ثلاجات الموتى".
هذا الضغط ظهر على هيئة مشاهد مأساوية مؤلمة لأعداد كبيرة من جثث الشهداء مكدسة على أبواب ثلاجات الموتى، وفي ساحات وممرات المستشفيات، خاصة مستشفى الشفاء التي تتحمل العبء الأكبر من استقبال الضحايا، وحتى الجرحى لم يعد لهم مكاناً في الأقسام وفي غرف العمليات، التي اضطر الأطباء إلى إجرائها في كل زاوية متاحة بالمستشفى.
وقال مدير عام المستشفيات إن جثث الشهداء التي دفنت في المقبرة الجماعية ظلت مجهولة منذ اليوم الأول للعدوان الإسرائيلي، ولتأخر تعرف ذويهم عليهم، وتعذر إجراء الفحوص الطبية المتخصصة عليهم لتحديد هوياتهم، تقرر منح الجثث أرقاماً وتوثيقها بالصور، كي يسهل الرجوع إليها بأي لحظة، وانتشالها وإعادة دفنها في قبور خاصة.
وتتسع ثلاجات حفظ الموتى في جميع مستشفيات وزارة الصحة على مستوى القطاع لنحو 400 جثة فقط، منها 50 إلى 60 جثة في ثلاجات مستشفى الشفاء، وقال مدير المستشفى الدكتور محمد أبو سلمية في حديثه لـ "نوى": إن الكارثة الكبرى توشك أن تحدث في أي لحظة، حيث ستتوقف جميع مرافق المستشفى عن العمل، وغيرها من المستشفيات في القطاع، بما فيها الثلاجات، جراء توقف عمل المولدات إثر نفاد مخزون الوقود، "وعندها سنواجه مكرهة صحية كبيرة، وتنتشر معها الأوبئة والأمراض".
ومنذ بدء العدوان الإسرائيلي لم تنخفض أعداد جثث الشهداء في الثلاجات عن 150 جثة، ما يشكل ثلاثة أضعاف القدرة الاستيعابية، ووفقاً لأبو سلمية فإن اضطرار المستشفى إلى وضع جثث شهداء في خيمة وفي ممرات المستشفى ينطوي على مخاطر صحية جمة في ظل الجو الحار وتزايد احتمالات تعرضها للتحلل وانتشار الأوبئة في أوساط الطواقم الطبية والمرضى والنازحين في ساحات المستشفى.
وفيما يرى أبو سلمية أن الحل المتاح في ظل حالة العدوان والطوارئ يتمثل في سرعة إتمام ذوي الشهداء لمراسم دفنهم، فإنه لا يبدو سهلاً في ظل المخاطر الناجمة عن كثافة الغارات الجوية الإسرائيلية، وحجم المجازر التي تخلف شهداء بالعشرات في المنزل الواحد، و بالمئات في المدينة الواحدة.
وسلبت دولة الاحتلال الشهداء أرواحهم وكذلك الحق في مراسم تشييع ودفن تليق بهم، وحتى صلاة الجنازة في المساجد أصبحت تنطوي على مجازفة كبيرة في ظل استهداف إسرائيلي دمر العشرات منها كلياً وجزئياً، فيؤدي المشيعون الصلوات على ضحاياهم في ساحات المستشفيات ومنها إلى المقابر مباشرة.
ومع الأعداد اليومية المتزايدة من الشهداء، تقتصر المراسم على إجراءات دفن سريعة، وبحضور عدد محدود من دائرة الشهيد المقربة، ووسط مخاوف شديدة مع التحليق المكثف لطائرات الاحتلال التي تلقي بالموت حمماً من السماء على مدار اللحظة.
وشارك أبو السعد عدوان في تشييع زوجة صديقه وأطفالها الثلاثة وثلة من ذويها، يوم الجمعة الماضي، ويقول: "كان تشييعاً غير مسبوق، عددنا لم يتجاوز أصابع اليدين، ونسابق الزمن لاتمام الدفن ومن فوق رؤوسنا طائرات حربية تبث الخوف والموت والإرهاب".
وغابت الكثير من مراسم التشييع والدفن المعتادة في غزة عن جنازة زوجة صديق أبو السعد، الشهيدة هبة الخياط وأطفالها الثلاثة، الذين قضوا من بين 15 آخرين في منزل ذويها في مدينة رفح جنوب القطاع، جراء غارة جوية إسرائيلية دمرت المنزل فوق رؤوسهم، ولم ينج من هذه المجزرة سوى طفلتها إيلياء (4 أعوام).
وقال أبو السعد لـ "نوى": "من المستشفى إلى المقبرة، هذا هو مسار التشييع باختصار في زمن الإرهاب الإسرائيلي، وتغيب إجراءات الوداع المعتادة في المنازل قبل التوجه للمقابر، فغالبية الشهداء لم تعد لهم منازل يودعون منها، وكثير منهم لم يتبق لهم أحباب يبكونهم فقد ارتقوا جميعاً".
ونظراً لخطورة الوصول إلى المقابر الرئيسية الموجودة في غالبية مدن القطاع على مقربة من السياج الأمني الإسرائيلي، اضطر كثيرون إلى دفن شهدائهم في مقابر قديمة ومغلقة، ويقول أبو السعد: "لقد ضاقت علينا الثلاجات والمقابر، فالحي في غزة لا يأمن على حياته من الموت في أي لحظة، والاحتلال يلاحق أمواتنا وشهدائنا حتى في قبورهم".
























