غزة:
بدا وجهه شاحبًا، واحمرّت عيناه وهو يستلقي داخل خيمته الزرقاء الصغيرة. يسألُه صحفيٌ كان يجري معه لقاءً: "إلى متى ستصمد؟"، فيمسك قارورة مياهٍ صغيرة، ويشرب بضع قطرات ثم يجيب: "حتى يتحقق مطلبي. إضرابي رسالة إنسانية، وليس موجهًا ضد أحد.. مضربٌ لعل صوتي يصل".
لليوم الثالث على التوالي، يواصل الأسير الفلسطيني المحرر إياد الجرجاوي (37 عامًا)، إضرابه المفتوح عن الطعام أمام مقر الصليب الأحمر الدولي بغزة، مطالبًا بحقه في السفر للعلاج بالخارج.
الجرجاوي، الذي تحرر من سجون الاحتلال عام 2020م، بعد 9 سنوات من الاعتقال في سجون الاحتلال الإسرائيلي، خرج بسرطانٍ في الدماغ أصابه في عام الاعتقال الأخير، وإهمالٍ طبي عانى منه هناك على أيدي أطباء السجن. كان الإفراج بالنسبة له باب الأمل للشفاء، لكن رياح الواقع المظلم لم تأتِ بما اشتهت سفن إياد.
يقول: "خلال اعتقالي أصبت بسرطان ممتد من قطاع الجمجمة بين الفقرتين الأولى والثانية والرقبة، متصل بالنخاع الشوكي والشريان الجذعي للدماغ. رفضَت إدارة مصلحة سجون الاحتلال آنذاك علاجي، وانتظرتُ حتى تحررت في 11 يونيو 2020م".

بعد تحرره، قضى إياد فترة بسيطة بين أفراد عائلته الذين حُرم رؤيتهم على مدار سنوات اعتقاله، ثم سرعان ما انتقل عام 2021م بتحويلةٍ من السلطة الفلسطينية للعلاج في مصر، حيث أجرى عمليةً جراحيةً دقيقةً هناك، وهو الأمر الذي تطلب بعدها انتقاله إلى مركز الحسين لعلاج السرطان في العاصمة الأردنية عمان.
يكمل بينما يحاول التقاط أنفاسه بصعوبة: "بعد العملية الأولى، اكتشفت حاجتي لسلسة من العمليات والإجراءات الطبية التي تحتاج عامًا كاملًا متواصلًا من الغربة، وهذا صعّب الأمر عليّ كثيرًا فأنا لم أرَ عائلتي منذ زمن، خاصة وأنني اعتقلت أثناء وجودي بالضفة الغربية".
عاد إياد إلى قطاع غزة لرؤية عائلته والاطمئنان عليها تمهيدًا للعودة مجددًا إلى مركز الحسين في شهر سبتمبر من عام 2021م، لكنه فوجئ برفض دخوله من قبل الجانب المصري.

ظن إياد أن الأمر سينتهي سريعًا إذ لا مشكلة لديه هناك أبدًا، لكن الوضع الذي بدأ قبل نحو عام و10 أشهر استمر حتى الآن.
يقول: "وجهّت العديد من المناشدات الرسمية وغير الرسمية دون جدوى، وتوجّهت إلى مؤسسات حقوقية خاصة أنني لا أعاني أي مشكلة مع الأشقاء في مصر ولكن لم يحدث شيء، وناشدتُ السلطة الفلسطينية دون رد، ولم يبقَ أمامي سوى خطوة الإضراب عن الطعام، وهي ليست موجهة ضد أحد، هي رسالة أناشد من خلالها السلطة الفلسطينية والفصائل والأشقاء في مصر بضرورة استكمال علاجي. كل ما أريده هو الانتقال للعلاج في مركز الحسين".
ساءت حاله إياد الصحية وتعرض لانتكاسة كان في غنى عنها، لذلك لم يعد أمامه سوى خطوة الإضراب. في هذه الخيمة زاره عشرات المتضامنين والأصدقاء، وعدد كبير من ممثلي الفصائل، "ورغم أهمية ذلك، إلا أن تحقيق الهدف من الإضراب بالسفر للعلاج هو الأهم".
يتابع: "لا أحد يعرف وجعي غيري، حالتي تتراجع، وصحتي تتدهور"، داعيًا كل من يستطيع إيصال صوته أن يفعل بأقصى ما يستطيع من سرعة.
ويبدو إياد عاتبًا على الردود التي يراها حتى الآن، "فالصليب الأحمر كمنظمة دولية معنية بكرامة الإنسان، رفض منحي إذنًا لاستخدام مرحاض المقرّ أو مياهه أو الكهرباء، بينما حصلت منظمات حقوق الإنسان على أوراقي كاملة بما فيها مواعيد الحجز لدى مستشفى الحسين، وحتى ممثلي الفصائل الذين حضروا للتضامن معي لم يقدموا شيئًا جديًا بشأن العلاج" يزيد.

ويكمل: "وحتى السلطة الفلسطينية ما زالت لم تتحرك بشكل جدّي سوى من اتصال تلقاه ليلة أمس من الدكتور صبري صيدم، أخبره خلاله بأنه سيفعل ما في وسعه".
يكمل إياد: "هيئة الأسرى على اطلاع بموضوعي ولكن ميدانيًا تبدو الأمور صعبة، كما أن الإعلام يتحرك بشكل خجول جدًا. ربما يعتقدون أن الإضراب موجه ضد مصر وهذا غير حقيقي، أنا فقط أناشد وأبعث برسالة إنسانية".
وإياد الجرجاوي هو شاب فلسطين وُلد في الانتفاضة الأولى وأدرك أواخرها. أصيب خلال انتفاضة الأقصى مرتين عام 2000م حين كان فتىً، وعمل حتى لحظة اعتقاله في إطار مؤسسات المجتمع المدني وكان مهتمًا بقضايا الشباب والمرأة والأطفال، وناشطًا في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان.
خاض إياد خلال سنوات اعتقاله إضرابًا عن الطعام إلى جانب زملائه الأسرى، لكن ما المختلف في هذا الإضراب؟ يجيب: "الألم الجسدي واحد، ويمكن احتماله، لكن الألم النفسي مختلفٌ تمامًا".
























