شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 28 ابريل 2026م21:22 بتوقيت القدس

مشروع لمؤسسة "عيون على التراث"

"جراحة معقّدة" لمخطوطاتٍ أثرية نادرة بغزة

12 يونيو 2023 - 11:48

غزة- شبكة نوى- فلسطينيات:

بقفازات ومعاطف بيضاء كتلك التي يرتديها الأطباء في المستشفيات والمراكز الصحية، تتعامل فتيات متخصصات مع مريض استثنائي. مريضٌ بلا لسان، لكنه شاهدٌ على محطاتٍ تاريخية عظيمة مرّت على هذه الأرض على مدار عقود خلَت.

بمنتهى الدقة، تحاول الفتيات التعامل مع مجموعةٍ كبيرةٍ ونادرةٍ من المخطوطات والكتب والسجلّات والتاريخية، التي تعاني وجع الترك والإهمال، في سياق مشروع للترميم والصيانة الوقائية، تنفذه مؤسسة "عيون على التراث" في غزة، بتمويل من المكتبة البريطانية ومتحف "هيل".

رنيم شعبان، واحدةٌ من أفراد الطاقم النسائي القائم على مشروع الصيانة الوقائية في المؤسسة، تقول لـ "نوى": "هذه مخطوطةٌ نادرة للشيخ عثمان الطباع أحد أعلام مدينة غزة (..) أثناء العمل، لا ينبغي الانشغال بأي أمرٍ آخر فالخطأ عاقبته وخيمة. الأمر يشبه تمامًا الخطأ الطبي الذي قد يودي بحياة إنسان في لحظة غفلة".

وتتعامل رنيم مع مخطوطة الشيخ الطباع وكأنها طفل حديث الولادة بحاجة إلى رعاية خاصة، ولا ترى فيها مجرد أوراق صفراء قديمة، وتصفها بأنها "كنز تاريخي"، كما غيرها من المخطوطات والكتب التي تختزن بين سطورها وصفحاتها شهادات على العصر، وأدلة تثبت صدقية السردية الفلسطينية، وتدحض الادعاءات الباطلة والروايات المزيفة للاحتلال الإسرائيلي.

ويعود تاريخ هذه المخطوطة الموسومة بعنوان: "منتخبات الفتاوى العثمانية الغزية" إلى العام 1904م، وقد توفي الشيخ الطباع في العام 1950م قبل أن يستكمل كتابة باقي فصول هذه المخطوطة، التي توقفت بوفاته عند 20 فصلًا، احتوت على فتاوى في قضايا كثيرة، خاصة السياسية منها، وما يتعلق ببيع الأرض، وخطورة التعامل مع أعداء الأمة، ومجابهة المخططات الصهيونية آنذاك.

ومن بين أبرز الفتاوى في هذه المخطوطة، فتوى يحرم فيها الشيخ الطباع "بيع الأراضي لليهود مباشرة أو بواسطة السماسرة الخائنين، لما فيه من إضعاف قوة المسلمين الحسية والمعنوية وتقوية أعداء الوطن، لا سيما وقد ظهر أن قصدهم إبادة الوطنيين جميعًا، والاستيلاء أجمعهم وأن يستولوا بشتى الوسائل على بلادهم وأوطانهم كما لا يجوز موالاتهم ومعاضدتهم".

رنيم في العشرينات من عمرها، وحاصلة على درجة الماجستير في الأدب والنقد، وخضعت برفقة أخريات لتدريب مكثف للتعامل بمنهج علمي متخصص مع مثل هذه المخطوطات وطرق وآليات صيانتها وترميمها التي تمر بأربع مراحل، تلخصها رنيم بمرحلة الترميم، وتشمل إعادة الترقيم والتنظيف الجاف لإزالة ما علق بها على مر السنين الطويلة من غبار وحشرات دقيقة، ثم تطهيرها وتعقيمها باستخدام محاليل خاصة، ومرحلة إعداد تقرير مفصّل يتضمّن المعلومات الأساسية عن المخطوطة كالمؤلف والناسخ وعدد الورق وهي بمثابة "هوية المخطوطة"، ومرحلة الأرشفة الرقمية، وفي المرحلة الرابعة يتم وضع المخطوطة في بيئة مناسبة داخل صناديق خالية من الحموضة لإطالة عمرها، وهي صناديق باهظة الثمن توفرها المكتبة البريطانية ومتحف هيل.

بعد منح المخطوطة رقمًا متسلسلًا يتبع لنظام أرشفة عالمي، يتم تصويرها بمعدات عالية الجودة، ورفعها على موقعين معتمدين لخدمة الباحثين حول العالم

وتستكمل زميلتها دعاء دويمة ما يعقب هذه المراحل من آليات التعامل مع المخطوطات، وتقول: "بعد منح المخطوطة رقمًا متسلسلًا يخضع لنظام أرشفة عالمي مختص بأرشفة الوثائق التاريخية المعتمدة دوليًا من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"، داخل استوديو متخصص بالأرشفة الرقمية هو الأول من نوعه في غزة، ويتبع لمؤسسة عيون على التراث، يتم تصوير المخطوطة بمعدات عالية الجودة والدقة، ورفعها على موقعين معتمدين على شبكة الإنترنت، لتكون متاحة أمام الباحثين والمختصين حول العالم".

وتقضي دعاء ورنيم ومعهما طاقم تلقى تدريبات متخصصة، ساعات طويلة يوميًا، بين المخطوطات وصفحات الكتب والوثائق. وبرغم دقة هذا العمل الذي لا يخلو من التعب والإرهاق، عبّرت دعاء عن سعادة كبيرة تغمرها كلما تم إنجاز المراحل وصولًا إلى إتاحة المخطوطة أو الكتاب أمام الباحثين، وتشبّه هذه الحالة بالفرحة بقدوم مولودٍ جديد.

ويختص مشروع ترميم المخطوطات، بحسب المدير التنفيذي لمؤسسة عيون على التراث، والمشرفة على المشروع، حنين العمصي، بمجموعةٍ كبيرةٍ من المخطوطات التي عملت المؤسسة على مدار سنوات لإنقاذها من الضياع والاندثار، وقد تم جمعها من مكتبات علماء ومؤرخين ومفكرين من أعلام غزة على مر العصور.

وتقول حنين: "هذه المجموعة تحتوي على كنوز نفيسة، خاصة المخطوطات العربية والإسلامية، التي تعدُّ من أهم وأرقى المخطوطات على مستوى العالم، فلكل مخطوطة قصة وحكاية، وهي إرث حقيقي للأجيال القادمة، وتثبت في كثير منها حقائق تاريخية تتعلق بتاريخ فلسطين وتدحض مزاعم إسرائيلية واهية".

وسبق لحنين أن أشرفت على مشروع مماثل عام 2019م نفذته دائرة المخطوطات والآثار في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالتعاون مع الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، وبدعمٍ من مؤسسة الأمير كلاوس في هولندا، وتركز على ترميم مخطوطات مكتبة الجامع العمري الكبير في غزة.

"وما يبرهن على أهمية عملية ترميم المخطوطات التاريخية في فلسطين، وقيمتها العظيمة، محاولات حكومة الاحتلال الدائمة لإعاقة مشاريع الترميم والصيانة منذ عام 2002م، عبر منع توريد المواد والأدوات اللازمة لذلك"، تؤكد العمصي.

كاريكاتـــــير