غزة- رفيف اسليم:
لا ينسى المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة الشاب محمد أبو طعيمة، شهيد لقمة العيش، الذي كان يعمل في مهنة الزراعة على الحدود الشرقية لمدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، حين أنهى حياته صاروخ أطلقته طائرة حربية إسرائيلية أثناء العمل.
أبو طعيمة، هو أحد مزارع من عمال المياومة الذي كان يعمل في قطف محصول الفقوس، واضطر للنزول إلى العمل رغم خطورة الأوضاع بسبب العدوان الذي شنه الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة فجر التاسع من مايو واستمر خمسة أيام قتل خلاله 33 مواطنًا وأصاب المئات.
وإن كان محمد الذي روى الأرض بدمائه، لن يتمكّن من رواية ما حدث معه، فإن قصته مشابهة لعمال المياومة الذين اضطروا إلى العمل تحت نيران الطيران الحربي لإعالة أسرهم، ثلاثة منهم رووا تجربتهم لنوى.
صبيحة أحد أيام العدوان، تلقى الشاب إسماعيل عبد السلام "ويعمل في تصليح السيارات" اتصالًا من رقم مجهول، تردد بداية ثم ردّ على المتصل، ليجد أنه أحد زبائنه يطلب منه ضرورة إصلاح سيارته التي يقلّ بها والده المسنّ إلى المستشفى بشكل شبه يومي.
يقول إسماعيل: "ترددت في البداية، لكن نظرت إلى ثلاجتي شبه الخاوية من أي شيء ووافقت".
يكمل: "لا أخفي أنني في البداية ترددت في فتح خط الاتصال كوننا في القطاع لدينا تخوّف من الأرقام الغريبة، لكن الشاب كان يحتاج بشدّة لإصلاح سيارته واتصل من هاتف شخص آخر".
احتاج الأمر مخاطرة كبيرة من إسماعيل للوصول إلى ورشة تصليح السيارات التي يعمل بها، بسبب الاستهدافات الإسرائيلية حولها، يعقب: "مكره أخاك لا بطل" فالعدوان بلغ يوم الخميس موعد الحصول على الأجر الأسبوعي الذي أتلقاه، ضاقت الأحوال وفرغ البيت من الطعام، وكان عليّ الذهاب للورشة، وبالفعل، عدت للمنزل بغنيمة من اللحم والخضار".
ليس لدى إسماعيل عائلة مستقلة بعد؛ لكنه إلى جانب والده المسن، يعيل أسرته الكبيرة التي زاد ثقل مصروفاتها خاصة مع وجود إخوة في الجامعة، والتزامات تصعّب عليه قول لا حين يأتيه مصدر دخل، يضيف: "كنت أعمل وأنا أشعر أنني قاب قوسين من الموت"
ولم يكن شادي سليمان، أفضل حالًا من إسماعيل، فقد عمل طوال فترة العدوان في توصيل الطلبات للزبائن كونه يعمل في أحد المكاتب التي تقدم ذلك النوع من الخدمات، يقول شادي:" "لا أخفي الخوف الذي شعرت به وأنا أعمل وطائرات الاستطلاع تحوم فوق رأسي كنت أشعر في كل لحظة أنني هدفها المتحرك وأن الموت آتٍ في أي لحظة".
ليس من السهل تجاهل هذا النوع من المخاطر كما يروي شادي، فصوت أزيز الطيران يصفّر في أذنيه كلفحات هواء البرد القارس، كان عليه التركيز على الطريق خاصة أنه كان يحمل مجموعة من الأدوية لسيدة مسنة ويرغب في الوصول إليها في أقصر مدة زمنية ممكنة، مخترقًا أصوات الانفجارات التي تنبعث كنعيق بغيض.
لا يملك شادي رفاهية الاختيار، فالدخل اليومي المحدود الذي يتحصّل عليه بالكاد يكفي نفقات اليوم مقابل هذه المخاطرة الباهظة، خاصة أنه اقترض منذ مدة مبلغٌ من المال للعمل في مهنة "الديلفري" وهو مطالب إلى جانب نفقات البيت بتسديد الأقساط وإلا سيضطر لبيع دراجته والرجوع للنوم في البيت محاطًا بشبح الاكتئاب والعوز.
"ترافقني دعوات أمي وزوجتي"، بتلك الجملة بدأ محمد حسنين حديثه لنوى، فقد عمل طوال فترة العدوان في بقالة تبعد عن منزله عدة أمتار، يذهب سيرًا على الأقدام، ويعود متحسسًا الطريق في ساعات المساء وسط هدوء المدينة وصخب الطيران ورائحة الموت التي تحترق الأزقّة والحارات.
كان محمد أمام خيارين، إما ترك عمله أو فتح البقالة التي لا غنى للزبائن عنها حتى خلال العدوان، يعقّب: "حاولت العمل وفق تقديرات الوضع، فإن اشتد القصف أغلق البقالة وأذهب إلى بيتي، وإن عمّ الهدوء النسبي أعود لفتحها رغم حركة البيع المتواضعة، والتي تنم عن الوضع المزري للناس في تلك الفترة، لكن لا خيارات أخرى أمامي".
وفق ورقة حقائق نشرها مركز الميزان لحقوق الإنسان، في سبتمبر/ أيلول 2020، فإن عدد عمال المياومة في قطاع غزة يُقدّر بنحو 18 ألف عامل، يعملون بمتوسط أجور قدره 49 شيقلًا يوميًّا.
























