شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 30 ابريل 2026م22:53 بتوقيت القدس

عزيزة جحيش المهجّرة من "صرفند العمار"..

ذكريات "رمضان البلاد" لم تهرم في قلب لاجئةٍ تسعينية

18 ابريل 2022 - 15:05

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بمقطعٍ من أحد أشهر أغنيات المطربة المصرية الراحلة أم كلثوم، ردت الفلسطينية التسعينية عزيزة جحيش عند سؤالها عن ذكرياتها مع رمضان قبل وقوع النكبة عام 1948، فقالت بعد تنهيدة شوقٍ للماضي: "قول للزمان ارجع يا زمان".

"هو في أحلى من أيام زمان؟" تتساءل، مضيفةً: "خصوصًا في شهر رمضان المبارك، حيث الخير والبركة وراحة البال".

بدأت عزيزة حديثها عن تفاصيل طفولتها في قريتها "صرفند العمار" قبل هجرتها برفقة عائلتها وآلاف الفلسطنيين فرارًا من جرائم العصابات الصهيونية، التي حولت حياتهم البسيطة الوادعة إلى جحيم لا يزالوا يعيشونه حتى الآن.

عزيزة وتكنى بـ "أم أحمد" من مواليد العام 1925م، وكانت عشرينيةً متزوجة لدى وقوع النكبة التي توافق ذكراها الرابعة والسبعين تاريخ 15 مايو/أيار المقبل. تقول لـ"نوى" بكلماتٍ امتزجَت بالحنين إلى ما يصفه الكبار بـ"الزمن الجميل": "كان شهر رمضان أيام البلاد من أجمل شهور السنة، ننتظره بسعادة كبيرة، خصوصًا الأطفال.. الأجواء كانت غير، والحياة كانت بسيطة، والناس تميزهم القناعة ويرضون بالقليل من الرزق، لكن كان هناك الكثير من البَرَكة".

وتذكرت كيف كان الناس يعدّون -قبل رمضان ببضعة أيام- جرّات فخارٍ للماء، ويصنعون الأجبان يدويًا لوجبات السحور، فيما يقدّم ميسوروا الحال في القرية للفقراء ما يحتاجونه من طحين وعدس وفول وخضار، ويخرجون زكاة أموالهم مع دخول نهار أول أيام رمضان، حتى يتمكن مستحقوها من شراء ما يحتاجونه للشهر الكريم.

وبابتسامةٍ علت وجهًا تكسوه التجاعيد، تذكرت عزيزة كيف كانت تتجمع النساء لتحضير مائدة الإفطار، وتبادل أصناف الطعام، "ولم تكن كاليوم متنوعة تفوق حاجة الأسرة، بل صنف واحد يحتوي على "طبخة" من خضار الموسم".

وكانت عزيزة تفضّل طبق "الجريشة" (قمح مجروش يطهى مع مرق اللحم الأحمر)، الذي يكثر طهوه وإعداده في شهر رمضان، وقالت: "كانت الجريشة من الأكلات الموسمية التي تكلف مالًا لا تقوى عليه أغلبية الأسر، وتطهوها العائلات الغنية في رمضان بكميات كبيرة، وتوزعها على أهالي البلدة، ابتهاجًا بالشهر الفضيل".

"لم يكن تعداد السكان في "صرفند العمار" كبيرًا، لكن البركة كانت كبيرة، والناس كانوا متحابين، توحدهم المناسبات السعيدة والحزينة، وكأنهم أسرة واحدة"، تقول اللاجئة التسعينية، التي لا تزال تختزن الكثير من الشوق والحنين للعودة إلى ذلك البيت البسيط الذي كانت تعيش فيه، وتلفه الأراضي الزراعية.

أقل من ألفي نسمة كانوا يقطنون البلدة وقت وقوع النكبة، ولم يكن فيها سوى مسجد واحد صغير، لا يكاد صوت مؤذنه يغطي مساحة البلدة المقدرة بنحو 13 ألف دونمًا.

تردف أم أحمد بالقول: "كان أطفال القرية من الأولاد والبنات يتجمعون قرب المسجد موعد الإفطار، فما أن يسمعوا صوت الأذان، حتى ينطلقوا مهللين مكبرين يرددون مع المؤذن بصوتٍ جماعي ومرتفع في الشوارع وبين الأزقة، وبهذه الطريقة يعرف سكان البلدة موعد الإفطار، بينما قليلون كانوا يمتلكون جهاز راديو يستخدمونه لمعرفة التوقيت وسماع نشرات الأخبار".

وكانت الولائم للرجال وعزائم الإفطار في رمضان تُقامُ في ديوان العائلة، فيجلسون للسمر حتى موعد صلاة العشاء وصلاة التراويح، وبعدها يسهرون على سماع التواشيح الدينية، "لكن ليس حتى الفجر كما يفعل البعض من أبناء جيل اليوم" تستدرك أم أحمد، معربةً عن اعتراضها على ما عليه الشباب من عادات "سيئة" على حد وصفها، يمارسونها في رمضان، "إذ يسهرون طوال الليل، وينامون طوال النهار، وهذا يضيع معنى الصيام الحقيقي".

ورغم آلام الهجرة والمعاناة بعد النكبة، إلا أن الحياة ظلّت بسيطة والناس متآلفين- والحديث لعزيزة- لكن مع مرور السنين تغيّرت الأحوال والعادات، حتى البهجة بحلول رمضان لم تعد كما كانت أيام زمان.

ويؤيد أحمد نصر الله (60 عامًا)، وهو نجل عزيزة الأكبر حديث والدته، فيكمل عنها: "كلما مرت السنين نفقد الكثير من العادات والتقاليد الجميلة، وكأنها نقمة التقدم والتكنولوجيا.. أصبحنا نفتقد لمّة العائلة، والسهرات البسيطة، فحلت مكانها ألعاب الفيديو، والمسلسلات، والأفلام التي تعج بها شاشات الفضائيات خلال شهر رمضان".

"لا شئ مثل زمان، حتى الصحة تراجعت، فلم يعد الطعام والشراب صحيًا، وباتت السرعة سمة العصر، وأفقدته متعته"، يضيف، ويستذكر طفولته خلال شهر الصيام بالقول: "كان أكبر أحلامنا في رمضان أن نصنع فانوسًا يدويًا نضيئه بالشُمُوع، ونتجمع كل أطفال المخيم نجوب الشوارع والأزقة فنهلّلُ ونكبّر ابتهاجًا برمضان، أما اليوم فنفتقد تجمعات الأطفال وألعابهم البسيطة، وحتى الفوانيس تأتينا من الصين "جذابة لكنها بلا روح"، أما المساجد فكثيرة، ولكن القيم الدينية والسلوكية تراجعت حسب رأيي، فتحوّل رمضان من طقوسٍ دينية إلى طقوسٍ استعراضية.

وقال: "الحياة كانت بسيطة، وشهر رمضان يزيد من التآلف، والأسر تجتمع على "طبلية" واحدة، وهي عبارة عن طاولة خشبية صغيرة ومنخفضة، يلتف حولها أفراد الأسرة، ويأكلون معًا من طعام واحد، لكن اليوم، الكثير من بهجة استقبال شهر رمضان، والأجواء التي كانت تميزه قديمًا اختفت، سواءً بسبب النكبة وتداعياتها على حياة الناس، أو بفعل التطور والتكنولوجيا والانشغال بهموم الحياة".

كاريكاتـــــير