غزة- نوى/كانت تبتسم وكلها سعادة , وحب , تحتضن صديقاتها , وتمازحهم قائلة: "لم أكن أتوقع للحظة أن أراكم من جديد", تعجبت لأمرها , كانت تتحدث عن أطفالها , كيف كانوا يلعبون , يسألون , لا يدرون ما الذي يحدث في غزة.
تقول: "حاولت أن أصنع لهم كل شيء يريدونه, دللتهم كثيرا و صنعت لهم كل الطعام الذي يرغبون".
تجولت بيننا، تختال بفرحها.. وأنا أسأل نفسي: "هل في غزة من لا يشعر بألمنا..لا أصدق".
خنقت حسرة كبيرة في داخلي حتى لا أنفجر بها لأقول لها أو ربما لأذكرها: "لا زال لدينا الكثير من الامنا لنتحدث عنها ...تتحدثين وكأن شيء لم يكن في قطاع غزة, هل الحرب أولادك فقط؟".
أغمضت عينيها وسقط دمع على إستحياء على وجنتيها , ثم إبتسمت وسطرت حكايتها بأحرف مؤلمة: "ثمانية أيام مضت, وأنا أحسد كل إمرأة تنام في فراشها بجانب زوجها, إن دخل قلبها الخوف نظرت إليه لتطمئن, كنت أرى أوجاع كل النساء اللاتي يفقدن أزواجهن لينضممن إلى قوائم الأرامل, اللائي يخضعن بعد مئة يوم, وربما مئة عام من عمرها, كل يوم بسنه وربما كل لحظة بعام, ليكون أمرها وحريتها في يد الكثير من الرجال, كنت ألتف حول كل عمود من أعمدة منزلي, مثل المجانين أبحث عنه في كل مكان, أمسك بهاتفي أطلب رقمه علني أسمع صوته يقول لي: لازلت على قيد الحياة, لأسمع تلك الإسطوانه اللعينه _ لا يمكن الوصول أو مغلق حاليا _ تبدأ الوساوس تأكل ما تبقى في عقلي من هدوء , كل مرة كانت إسرائيل تقصف هدفا كنت أقول أنه المستهدف , أدرك أني خسرته, قتلتني إسرائيل الاف المرات , مرت علي ثمانية أيام كأنها ثمانية الاف سنة , فقدت فيها كل شعور بالامان".
وتضيف: "حتى يشقشق الصباح بنوره الذي لم يعد له بريق , يهزني هاتفي بين أصابعي المرتجفه لأسمع نغمته التي تدعوني وتقول لي هو الان على باب المنزل يريد منك أن تفتحي له الباب بسرعه , وبالرغم من ذلك أضغط على مفتاح الرد لأسمع همسه ونفسه , تهرول بي أقدامي ناحية الباب من الطابق الرابع , بسرعة لأراه , وبهدوء حتى لا يعلم أحد بأنه في المنزل , أفتح الباب أنظر اليه ودموعي تجرف كل ما كان بي من خوف وقلق , ينتابني شعور ساعتها أني أريد أن أصرخ بوجهه أن أقول له " لماذا تضعني في هذا الموقف؟, ثم أسكت , لأن صوتا بداخلي يقول لي : لا تصرخي , إبتسمي هو الان بخير , لا تدري هل سيكون غدا كذلك , كان يذهب مع رجال المقاومة , كان هو من هؤلاء الجنود المجهولين بالنسبة للناس جميعا , لكني كنت أعلم من هو؟ ومن هم؟".
صمتت ثم قالت: "أحد المرات سمعت صوت أشقاء زوجي يتهامسون على باب منزلي, أصوات كثيرة خافتة, وأنا وراء الباب أنتظر أن يزف الي أحدهم نبأ إستشهاده, جلست وراء الباب , أبكي بحرقة وكتمت صراخي حتى إن كانت هواجسي كاذبة ، لم ينقذني لحظتها سوى أن والدتهم نادت عليهم بلهفة , ما بالكم هل أنتم بخير ؟؟.
"إنفضوا كل إلى منزله , وأنا غرقت بين دموعي , تلك اللحظة كبرت فيها عشرات السنين , بقيت على الأرض لا أستطيع التحرك , وأعجز عن كفكفة دموعي , حتى عاد الصباح من جديد , ركضت أنتظر أن يعود هاتفي الىّ ليرتجف بين أصابعي الخائفة , وعيوني تنتظر , وعقلي كلما يستسلم لفكرة أنه لن يأتي , أوقظه حتى لا يفكر بهذا التفكير مرة أخرى , سئمت , ثمانية أيام بلياليهن , وأنا مصابة بهم كبير , كان كل يوم يكبر معي حتى جاء اليوم التاسع , لم أصدق أنه بجانبي لم يخرج , نجا هذه المرة , أنا الان أشعر أني أسعد البشر , لكني أحمل هم كل إمرأة عاشت لحظاتي , وتوج الحزن عالمها بعد رحيله".
























