شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 03 مايو 2026م12:06 بتوقيت القدس

تجربة "الجامعة" كما ترويها أوليات "بتوجيهي"

13 اعسطس 2021 - 11:33

غزة:

إنه مساء الثالث من حزيران/ يونيو لعام 2015. أيقظ صوت أقدام دعاء الكحلوت وقتذاك نيام الليل، لكثرة ما تحركت في جوانب بيتها في حي الشيخ رضوان، بمدينة غزة، جيئةً وذهابًا!

كان "غريبًا" أن تحدد "التاسعة" مساءً موعدًا لإعلان نتائج الثانوية العامة وقتذاك، لكنه حصل.. لحظاتٌ مرّت كسلحفاةٍ تحمل فوق صدفتها حجرًا، لكنها مضت.. وأُعلن اسمها "الأولى" على مستوى قطاع غزة في الفرع العلمي، بمعدل 99.7%.

"نوى" زارت بيوت أوائل "توجيهي" في أعوامٍ سابقة، لتسأل عن أحوالهم، بعد أعوامٍ من التميز. ماذا يقولون لناجحي هذا العام؟ وبماذا ينصحون المقبلين على الثانوية العامة للعام الدراسي الجديد؟ الإجابة ضمن التقرير:

تسند دعاء التي باتت تبلغ من العمر (24 عامًا) رأسها إلى ظهر أريكة، وتعود بذاكرتها إلى تلك اللحظة الصعبة. تقول لـ "نوى": "كنّا في شهر رمضان. أذكر أن الكهرباء كانت وقتها مقطوعة،  سمعتُ تهليل الجيران وقد سمعوا بالخبر قبلي، ولم أعرف لمن كانوا يهللون! كنتُ متشنجة قرب المذياع أنتظر.. هكذا حتى سمعتُ اسمي بأذني".

تكمل الشابة التي تخرجّت هذا العام من كلية الطب: "سجدتُ باكية، وزغردت أمي، وعانقني أبي، كانت فرحةً لا توصف رغم أنني كنتُ أتوقع النتيجة فأنا من الأوائل على مدرستي طوال سنوات عمري".

اقرأ/ي أيضًا:دعاء الكحلوت: ما ينجح به غيري أتفوق فيه

مرّت أيام، ازدحم فيها البيت بالصحافة والمهنّئين، "ثم وجدتني أقول لنفسي: مسألة أنني الأولى على القطاع انتهت، عليّ الآن التركيز على ما هو قادم.. كلية الطب" تكمل.

بدأت الدراسة، وظل الأساتذة لعامين كاملين يعاملونها على أنها الأولى على القطاع "وهذا أرغمني على الحصول على المركز الأول في الكلية أيضًا، وبالفعل حافظت عليه لخمسة أعوام أخرى".

لم تندم دعاء على دراستها للطب، لكن صعوبة هذا العلم جعلها تغيّر جزئيًا نظرتها للحياة، لا سيما وأنها انخرطت في مجال العمل فيه "كطبيبة من غزة".

شاءت الأقدار أن يمر عدوان 2021 الأخير، وهي على رأس عملها، ورغم خوفها، وخشية أهلها من أن يصيبها مكروه، إلا أنها كانت تشعر بأن هذا وقتها "كانت تقضي الجزء الأكبر من وقتها في المستشفى تطبب جراح المصابين".

تخرجّت دعاء بمعدّل 89.5%، وكانت الثالثة على الدفعة. "الأمر يختلف تمامًا عن الدراسة في المدرسة، لم يشكل معدلي بالنسبة لي إحباطًا، وتغيرت نظرتي لفكرة العلامات، على العكس: لقد بدأتُ للتحضير لسنة الامتياز، التي ستؤهلني لاختيار التخصص الأقرب إلي، بقوة".

تزيد: "أفكر في طب العيون، ولكن ربما أغيّر قناعتي لاحقًا.. لا أدري".

وتتحدث عن التخصص الأصعب والأقسى الذي عايشته خلال فترة الدراسة، وكان "تخصص النساء والولادة"، "فكان أصعب موقف مر علي في الطب هو يوم رأيت حالة ولادة لأول مرة، بكيتُ يومها بشدة، وقلت رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا"، منبهةً إلى أنها لم تخف من أدوات العملية "كالمشرط مثلًا"، بل من عملية الولادة نفسها.

وبكل الأحوال، فإن دعاء تسعى إلى اختيار تخصص يمكنها من خلاله تقديم شيء للنساء، أو تخصص لا تتجه إليه الطبيبات بشكل كبير، مشيرةً إلى أنها تميّزت حتى الآن في قدرتها على التواصل مع المرضى، والتعامل مع تاريخهم المرضي، وهي مهارة لا يتقنها جميع طلبة الطب.

وتوجه رسالة للطلبة الجدد أن يدرسوا شيئًا يكونوا مهمًا، ومطلوبًا عام 2028. "هناك تخصصات تكنولوجية كثيرة ومهمة، وبالنسبة للفتيات خصوصًا، فإن عليهن الخروج من قوقعة نظرة المجتمع"، مشددةً على ضرورة تحديد "الهدف" في أي طريق يمضي به الطالب، وأن يكون مرنًا في تغييره أو تعديله إن فشل في تحقيقه، وأن يواصل بذات الدافعية مهما مرّت به ظروف.

أسماء المقيد، قصةٌ أخرى. كانت الأولى على قطاع غزة عام 2012 في الفرع الأدبي، وبمعدّل 99.7%. عادت بذاكرتها إلى الوراء كل تلك السنين بينما كانت تحتضن طفلها عمر وتبتسم.. "كان يومًا صعبًا، لكنه لا ينسى".

تقول: "قبل 9 سنوات، كنتُ في البيت مع أمي وحدنا، أبي يعمل مدرسًا للرياضيات وكان في دوامه، أما إخوتي فكانوا خارج البيت. الكهرباء مقطوعة، واسمي يصدحُ عبر الراديو كأولى على مستوى القطاع، هنا لم أتمالك نفسي من البكاء، وجدتُ أمي تزغرد وتبكي، ثم سجدتُ شكرًا لكرم الله".

سمع والدها اسمها عبر المذياع، فعاد إلى البيت مسرعًا لاستقبال المهنئين والصحافة. في غضون ساعات صار البيت كصالة عرس. مئات المهنئين هنا، لقد اكتظ بالفرحة والزغاريد، "وكتب خاتمة قصة تعب وجهد صعبة" تعلق.

كانت أسماء تقضي في دراستها 16 ساعة في بعض الأيام، ووالدها "لم يقصّر في عطائه"، "كان يسعى لتوفير كل ما يلزم كي أتفوق، وكانت ثقته بي عالية، توقعت التميز، لكنني لم أتوقع أن أكون الأولى على القطاع، إلا أنني فعلتها ورفعتُ رأسه" تكمل.

سجّلت في قسم اللغة العربية التي أحبتها منذ طفولتها وتفوقت فيها، "هي الذات والهوية، ومن يتذوّقها لا يمكن إلا أن يقع في حبها، هي لغة القرآن الكريم الذي أحفظه، ولغة الإبداع والإعجاز".

لكن حصولها على الترتيب الأول، حمّلها مسوؤلية إضافية، تزيد: "كانت زميلاتي في البداية يتعاملن معي برهبة، كوني الأولى على القطاع، لكنني تقربت منهن كثيرًا بعد مساعدات قدمتها لهن، كثيرًا ما سعيت لعمل ملخصات للمواد وتوزيعها".

واجهت أسماء صعوبة كبيرة في الحفاظ على الترتيب الأول بالجامعة، وظّلت تناضل من أجل كل علامة، حتى تخرجت بنسبة 96%، وكانت السابعة على دفعتها.

لكن هل اختلفت النظرة للدرجات في الجامعة؟ تجيب أسماء: "اختلفت بعد التخرج وليس أثناء الدراسة؛ فالوظيفة ليس شرطها فقط الحصول على درجات عالية، إنما تتطلب مهارات أخرى مثل التواصل".

أجمل ما مرّ عليها خلال الدراسة، هو ذلك اليوم الذي ذهبت فيه إلى مدرسة الفالوجا التي درست فيها الثانوية العامة، ولكن هذه المرة كمعلمة متدربة، حيث نقلت تجربتها إلى الطالبات، وسعت إلى الاستفادة من تجربة معلماتها هناك.

تميزت أسماء في علم النحو "رياضيات اللغة العربية" كما يسمونه، بل إنها تعشق علماءه والمتميزين فيه، وتتمنى لو تتمكن ذات يوم من مواصلة الدراسات العليا في هذا المجال.

تضيف: "تخرجت من الجامعة عام 2016، وتقدمت لامتحانات التوظيف عام 2017 بعد بقائي مدة عام ونصف دون عمل، سوى من عملي في دار القرآن الكريم، ثم نجحت وعملتُ مدرسةً للغة العربية".

هذه التجربة علّمت أسماء أن ثمة أشياء في الحياة، أصعب من أن تكون الأولى على القطاع، "مثل الحصول على وظيفة" فهي حصلت على الترتيب الرابع على المنطقة في امتحانات التوظيف، وراجعت من أجل ذلك أمهات الكتب.

تتمنى أسماء اليوم، أن يستفيد الوطن من أوائله بشكلٍ أفضل، ليس بمجرد تقديم المنح التعليمية، بل بتوظيفهم ووضعهم في أماكن تناسب قدراتهم وإبداعاتهم، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في الإنجاز باسم فلسطين، التي لطالما سعوا لرفع اسمها عاليًا بجهدهم وتفوقهم.

دعاء الكحلوت عند نجاحها عام 2015

دعاء الكحلوت الطبيبة

أسماء المقيد عند نجاحها عام 2012

أسماء المقيد مع طفلها عمر 2021

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير