شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 03 يوليو 2026م15:26 بتوقيت القدس

غزة.. ما زال البحر أمينًا على ذكرياتِ الخليلي عمر

17 ابريل 2019 - 12:12
محمد أبو دون
شبكة نوى، فلسطينيات:

قطاع غزّة:

فرد عمر ذراعيه يستقبل شعاعاً هزيلاً تسلل خلسةً عن عيون أيام مارس الباردة، تسارعت خُطاه متجاهلاً كل النداءات التي كانت تخبره بأن "الموج عالٍ"، وبدا طفلاً بعمر ثلاثةٍ وعشرين عندما اقتحم البحر لأول مرة.

على بُعد مترين من الواقفين على رمل الشاطئ، أعطى ظهره لكل الأصوات التي وصفته بـ "المجنون"، ووقف وحده ينصت لصوت الهدير، يسمع صوت جزءٍ لا يعرفه من وطنه يناديه "اقترب"، ملأ كفيه بالماء وغسل وجهه، سأل ممازحاً بصوتٍ تخنقه الدموع: "مين قال بس إنو ماء البحر مالح؟"، لعَنَ ابن الضفة الاحتلال بصوتٍ عالٍ وعاد يمسح دمعه، ومشى نحو "رحلة العمر".

عمر الزعتري (٢٣ عامًا) ابن مدينة الخليل جنوبي القدس، كمعظم شبّان الضفة الغربية الذين تقع أعمارهم بين تاريخ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م ويومنا هذا، لم يعرف عن غزة إلا ما تعرضه شاشات التلفاز في أوقاتِ التصعيد! حاله كما حالهم يسمعون عن رائحة البحر ولون فجره الفضّي ولم يروه أبداً، يعيشون في جزءٍ من وطنٍ انفصل بسكينين اثنين (الاحتلال عام 1967م، والانقسام عام 2007م).

لكنّه وبعد تاريخ 11 مارس/آذار لعام 2018م، صار محظوظًا بينهم، عقب تمكّنه من الوصول لغزّة، وذلك بعد إعلان فوز فريقه بدوري مناظرات الجامعات على مستوى الضفة الغربية، وقرار إدارة مؤسسة فلسطينيات المُنظمة للحدث بأن تكون المناظرة النهائية على مستوى الوطن فوق أرض غزة إذا ما سنحت الظروف بذلك، ستقرأون عبر هذه السطور، قصة وطنٍ ينزف شوقاً…

أربعةُ أيامٍ في غزة

كانت الساعة تشير إلى العاشرة عندما رن جرس هاتفه "عمر، التصاريح طلعت، خلال ساعتين لازم تكون جاهز، إنت وفريق المناظرات"، ارتجافة صوته بدت واضحةً في أذن أمه وهو يرد بوضوح: "سنزور غزة فعلاً أم هذه مزحة؟"، أغلق الخط متجاهلاً نظرات أمه القَلِقة، كيف لا؟ وابنها سيذهب إلى أرض الحروب تلك؟! رتّب بعض الثياب في حقيبةٍ صغيرة، واستمدَّ بعض الشغف من مشاهد لغزة على "يوتيوب"، قبّل أمه التي كانت تودّعه كأنما سيذهب للقتال وغاب.

عجلات السيارة طوت الطريق نحو حاجز بيت حانون (إيرز) الإسرائيلي الذي يفصل بين الداخل المحتل وقطاع غزة بمسافةٍ من الوقت لم تتجاوز الساعة! تبعتها ساعتان من التفتيش والتحقيق المستنزف للأعصاب هناك حتى جاء الفرج، واجتازوا الحاجز.. أول خطوةٍ فوق أرض غزة كانت وحدها حكاية، فعمر وفريقه كمن سينتقل عبر هذه الخطوة إلى حياةٍ غير تلك التي ألِفوها، وجميعهم كانت عيونهم تسأل: "ماذا ينتظرنا هناك؟".

"كنت مشحوناً بفرحٍ جعلني متسمّراً لدقائق طويلة، أتأمل تفاصيل الطريق: الأراضي الزراعية الواسعة في منطقة ما بعد الحاجز، البيوت المتلاصقة التي لا يشبه تركيبتها شيء، والشوارع المكتظة بالناس.. أهل غزة الطيبين الذين فزنا بمشاعر حبهم الحقيقية، لحظة أدركوا أننا من الضفة"، يقول.

أخيراً حطت حافلة الفريق المكون من أربعة أفراد أمام باب الفندق المجهز لاستقبالهم على مدار أيام الزيارة، كانت فرقة "فدعوس" تعزف لعريسٍ يهم بدخول قاعة زفافه هناك، ليلتفت أحد العازفين إلى أعلام فلسطين التي كان الفريق يحملها، سأل بعفويةٍ واضحة: "هذا وفدٌ من أين؟" ليجيبه عمر بحماسة "من الضفة الغربية يا حبيب"، فيفاجأ وفريقه والمرافقين لهم من فريق المناظرات بغزة بتحول المعزوفة إلى "موطني" تحيةً لأهل الضفة وإكراماً لوجع الغياب، يعلق عمر: "الفرح المبكي، هذا ما شعرت به، لم أتخيل أبداً أن أحظى يوماً باستقبالٍ خرافي كهذا في مكانٍ لا أحد فيه يعرفني إلا فريقي وأصدقائي من الضفة".

تسارع أمواج البحر

فريق المناظرات الذي استقبلهم بغزة، والذي من المفترض أن يخوض المنافسة معهم ثالث أيام الزيارة، طلب منهم أن يصعدوا إلى غرفهم كي يرتاحوا من عناء الطريق والحاجز، لكنهم أجابوا بصوتٍ واحد: "شو نرتاح يا أخي.. كل دقيقة محسوبة علينا، بدنا نشوف البحر، بدنا نشبع منه".

يا للغُربة! فلسطيننا التاريخية تطل على ثلاثة بحار (البحر الميت شرقاً، والمتوسط غرباً، والأحمر جنوباً)، ورغم ذلك لم يرَ آلاف الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية أياً منهم بحرًا أبداً، فـ "إسرائيل" سرقت البحر كله، وحاصرته بإجراءات مشددة معقدة.

شباب الخليل تشاجروا بحبٍ على من سيجلس قرب النافذة في السيارة ليرى البحر أولاً، وبمجرد الوصول تدافعوا، وركضوا، وركض عمر معهم! كان يريد أن يصل إلى كرسيٍ بلاستيكي في مواجهة البحر على الطاولة التي حُجِزت لهم، لكنه لم يعلم أن العشرينيين الثلاثة من فريقه نفسه كانوا يهرولون للوصول إلى نفس الكرسي أيضاً!

وصل عمر والثلاثة معه، وبدأ النقاش التفاوضي حول أحقية كل واحدٍ منهم عليه، قال عمر ضاحكاً: "نقسّم الوقت بيننا"، ردّ عليه ماهر "لا تكن طماعًا، فأنت احتكرت النظر من زجاج السيارة طوال الطريق"، قاطعتهما الشابّة شهد بجلوسها على الكرسي، وقالت وهي تطلق ابتسامة المنتصر: "حين تٌنهيا النقاش أخبراني".

فازت شهد يومها بفرض الأمر الواقع، جلس عمر، وتعالت ضحكات الثلاثة كما لو أنهم أطفال، ثم عمّ صمتٌ مدهش! يضيف عمر: "كان معنا فريق المناظرات بغزة، وجزء من القائمين على مؤسسة فلسطينيات، لكننا كنا كما لو أننا وحدنا، لا نسمع سوى صوت البحر حقاً، بقينا نتأمل الأمواج التي كانت تتسابق لتصل إلى الشاطئ، ونستشعر بحب هبّات الرياح المحملة برمال غزة".

 لم يكن سواد سماء تلك الليلة الأولى التي قابلوا فيها البحر محفزًا على الخمول والكسل، فتلك كانت بداية اليوم بالنسبة لهم، أو بالأحرى كانت بداية حياةٍ جديدة، أطراف الحديث التي تبدلت بين مدٍ وجزر لم تذهب بعيدًا عن التفاصيل التي كان عمر يرغب بمعايشتها خلال زيارته هذه.

لكلّ دقيقة حكاية

حلّ الليل عاد الفريق إلى فندق الضيافة، ودّعه فريق غزة المرافق الذي فوجئ بعُمر يقول: "شباب، بكرة الساعة 4 الفجر راح نكون جاهزين".

"جاهزون لماذا؟" نظر أعضاء الفريق الآخر إلى بعضهم كأنهم يتساءلون "الرابعة فجراً! جاهزون لماذا؟!!"، قطَعَ عمر دهشتهم حين قال لهم: "اتفقنا أننا نريد أن نرى الصيادين العائدين من البحر برزقهم، ولعلنا نشارك أحدهم في رحلة صيدٍ قصيرة".

وهذا ما كان، وصلوا عند الفجر لحوض ميناء غزة، ومكثوا يتسامرون مع الصيادين الذين حدثوا عمر وأصدقائه الخلايلة عن ذكريات "أيام عزهم" حين كانوا يزورون الخليل، وعن حياة الصيد وكرم أهل غزة، عن حب كل من يزورهم ضيفاً فينقل ما يراه هنا عن حبهم للحياة وأملهم بمستقبلٍ أفضل. أثمرت رحلتهم عن مجموعة أسماكٍ طازجة، كانت تتقافز في شباك الصيادين. تماماً كأرواحهم التي بدأت تتعلق بالبحر وتخشى اقتراب ساعة العودة.

كان عمر شغوفاً بالتدقيق في خيوط الشمس الصفراء وهي تطل من شرق المدينة، تجول على الشاطئ كثيرًا وقفز على الصخور المتناثرة حول حوض الميناء. كوب قهوة أعدّ باحترافٍ على يدِ شابٍ خريج أجبرته سُبل العيش الضيقة على وصل الليل بالنهار ليؤمن ما يسد رمق أسرته، كانت كفيلةً بإنعاش غريزة الإرادة عنده؛ ذلك المجنون بغزة وبحرها، بحثَ عن الأصداف بدقة شديدة، وجمع ما أعجبه شكلها منها وقال: "هي هدية لأمي"

ناداه أحدهم: "إنه موعد الغداء، تعال يا عمر"، جاء مسرعاً فهو للمرة الأولى يجرّب ما كان يسمعه عن "جوع سيّاح البحر"، اقترب من الطاولة التي اكتظت بأنواعٍ مختلفة من الأطعمة البحرية، الدنيس والجمبري وشوربة فواكه البحر، وغيرها، وقف وأخذ يقلب كفيه في مشهدٍ يوحي بغصة سكنت روحه، ثم علا صوته مردداً على مسامع الجميع: "هل تعلمون أن هذه هي أول مرة في حياتي سآكل فيها سمكاً بدون مواد حافظة".

"فوزٌ على الاحتلال"

مضى اليوم الثاني سريعاً أكثر من الذي سبقه!  موعد الرحيل يقترب، وموعد المناظرة النهائية كذلك، كان على فريق الخليل أن يثابر لينتصر في طرحه، بينما فريق غزة المكون من ثلاثة أشخاصٍ آخرين بذلوا جهودهم في التحضير، وحلّ اليوم الثالث (المناظرة النهائية).. عاهد فريق "الخلايلة" أنفسهم أن النتيجة أيَما كانت فهي بالنسبة لهم ستكون فوزاً ساحقاً على الاحتلال، فوزاً لأنهم يقفون هنا، يتنفسون من هواء غزة، وركبوا بحرها أيضاً.

يتابع عمر: "مضت ساعات المناظرة أسرع مما كنا نتخيل، خسرنا النزال، وفازت غزة! في الحقيقة غزة فازت منذ أول يومٍ أتينا فيه إليها مشتاقين حالمين، فازت بحبنا وبدعمنا الذي كبر أكثر، وصار على مدار ثلاثة أيامٍ بحراً من حُب".

قلَب عمر وفريقه الصفحة سريعاً فلم يتبق هناك وقت، سيغادرون مع إشراقة شمس الغد، "ألن تأخذوننا إلى مزارع الفراولة كما وعدتم؟"، سأل عمر أعضاء الفريق الغزاوي الذي بدا رغم فرحه "وجلاً" من خسارة الفريق الضيف، ضحكوا كلهم، وانطلقوا مسرعين إلى حيث مزارع الذهب الأحمر، وهناك لأول مرة يعرف عمر أن الفراولة تُزرع بطرقٍ مختلفة.

التقط صوراً مختلفة للفراولة المعلقة، وبدأ بنشرها فوراً على حساباته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما هي إلا لحظات حتى انهالت رسائل الأصدقاء في الضفة عليه بعضهم عبر عن شوقه لرؤية هذا الجمال على أرض الواقع، وبعضهم غبطه لأنه هنا، وبعضهم سأله عن طعمها طازجة وهو ما أجاب عنه بقوله: "طعمها يختلف عن طعم أي فراولة أكلتها طوال عمري".

طلب عمر قبل الرحيل جولةً أخيرةً على مركب، قال بغصة: "مالكم؟ طول عمري بشوف البحر عالتلفزيون، متوقعين أشبع منه في يومين؟".

على المركب جلس الجميع يتأملون تفاصيل البحر، بينما كان الصياد يسمع عبر مذياعٍ قديم علقه في مقدمة المركب أغنية "هدي يا بحر" التي أثارت الشجون وحركت مشاعر شوقٍ لأرض تمنى عمر وأصدقاؤه لو أنهم يزورونها دوماً.

كاريكاتـــــير