غزة:
منذ قرار زوجها خوض مغامرة الهجرة، أُجبرت ريم القيام بدور الأب والأم معاً، وتحمل أعباء إضافية عدا عن الأعباء الأساسية التي تثقل كاهلها.
والأكثر إيلاماً بالنسبة للمواطنة "ريم" كما تقول لـ"نوى" هو التعويض النفسي والعاطفي الناجم عن غياب أحد أطراف الأسرة، "وهذا أمر صعب يحتاج إلى جهد مضاعف وآليات جديدة أتبعها لمحاولة جسر فجوة غياب الأب، من خلال تخصيص أطول وقت لأطفالي الثلاثة، ومحاولة الترفيه والترويح عنهم بقدر المستطاع".
ريم التي لا زالت تخوض غمار الانفصام الأسري ولم تتمكن بعد من اللحاق بزوجها ولم شمل أسرتها من جديد، تؤكد أن هجرة أي من أعمدة الأسرة أمر ليس هيناً بالنسبة لها وللنساء بشكل عام.
مجازفات قاتلة
لكن (منى) تمكنت أخيراً من الوصول لمبتغاها واللحاق بزوجها بعد عدة مجازفات قادتها برفقة طفلها الذي لم يتجاوز الأربع سنوات، فجابت اليابس والماء وطافت بعدة دول عربية، وخليجية وأوروبية إلى أن استقر بها الحال في أحد معسكرات اللاجئين في أوروبا.
تقول شقيقتها: "واجهت (منى) العديد من الصعاب، للوصول لزوجها الذي سبقها إلى إحدى الدول الأوربية قبل سنوات، وبأشكال عدة ولم تيأس، محاولات كلفتها مبالغا طائلة باعت على أثرها والدتي قطعة الأرض التي تملكها؛ لتوفير مصاريف التنقل والهجرة".
وتتابع "كادت المحاولة الأخيرة أن تودى بها وبطفلها في البحر بعد أن طفت مياه البحر على القارب وغطت جسد طفلها الغض، وكاد أن يغرق لولا خفر السواحل تمكنوا في اللحظات الأخيرة من إنقاذ القارب لترسو في أحد جزر اليونان، ومن ثم انتقلت إلى بلجيكا حيث التقت بزوجها في تلك المحطة، وهي بالطبع ليست الأخيرة.
(منى) كغيرها من الشبان والشابات يبحثون عن الاستقرار وتحقيق طموحاتهم بعد أن ضاقت عليهم الارض بما رحبت، وحوصرت أحلامهم في قطاع لم يظفر بالاستقرار والأمن البتة.
أحلام معلقة
(محمد) الشاب الثلاثيني دفعته الظروف للبحث عن مأوى آمن يحقق فيه طموحاته التي طالما نذر حياته من أجلها، اضطر أن يهاجر تاركاً زوجته وأطفاله الثلاث يقول: "كنت أعتقد بأن شمل أسرتي سوف يلتئم خلال أشهر، ولكنها كانت أضغاث أحلام، فها أنا شارفت على الثلاث سنوات ولم أتمكن رغم كل المحاولات من احتضان أسرتي".
يتابع "حياتي معلقة بدون طفلاتي وزوجتي، كل يوم يمر بمائة عام، أحصى الأيام والليالي علها تسابق الزمن, اعمل ليل نهار كالنحلة ولم اترك بابا إلا طرقته من أجل لم شمل أسرتي".
محمد الذي لم يحصل على الإقامة الدائمة سيبقى حلمه بجمع شمل أسرته معلق إلى حين الحصول عليها، يقول: "حينها بالإمكان التحدث عن أسرة مكتملة ومستقرة، نستطيع سوية التخطيط للمستقبل، بعد أن تنتهي حالة الاغتراب التي أعيشها كل لحظة في ظل البعد عن أسرتي التي لازالت معلقة بين السماء والأرض".
يضيف بلهجة أسى وحسرة : "تركت ابنتي ستة شهور ونصف، والآن شارفت على الثلاث سنوات ولولا التواصل الاجتماعي عبر شاشة الفيس بوك، ومحاولتي اليومية لاسماعها صوتي والتحدث اليها لبت شخصا غريبا عنها، ولكن رغم هذا التواصل إلا أنه يبقى غير كاف ولا يُعوض عن المشاعر الحقيقية للتواصل المباشر ومعايشة كل لحظات نمو وتطور حياة أطفالي، ومشاركتهم نجاحاتهم وهمومهم واسعادهم".
حسب مصدر إعلامي مطلع، فقد غادر (36350) شخص من قطاع غزة عبر معبر رفح في عام 2018 حتى نهاية أغسطس، وعاد إليه (19793) أي بقي في خارج البلاد ما يقارب من (16557) معظمهم عائلات.
آثار نفسية
غباب أحد طرفي الأسرة له تأثيرات تربوية ونفسية على الأطفال، فغياب أحدهما يؤدى إلى الحرمان العاطفي والوجداني والشعور بالنقص وفقدان الثقة.
الخبير التربوي والإرشاد الأسري د.بسام بن سعيد، اعتبر أن غياب أحد طرفي الأسرة عبر الهجرة يؤثر على التنشئة الاجتماعية خاصة في السنوات الخمس الأولى من العمر، وهي مرحلة تكوين شخصية الطفل ونموه الانفعالي والعاطفي، والذي يحتاج خلالها لجرعات الحنان والاحتضان والأمن الذي يتشكل بالتئام طرفي الأسرة.
وأشار حتى في حالة وجود الأطراف الأخرى التي تمثل اسنادا للطفل كوجود الجدة أو الجد أو الخالة، لن يكونوا قادرين على توفير الأمن والاستقرار النفسي للطفل، الذي يبقى بحاجة ماسة للوالدين معا، سيما وأن هناك حاجات خاصة بالطفل واحتياجات لا يستطيع أن يجيب عليها وتلبيتها سوى الطرفين معا.
ونوه بن سعيد إلى أن التواصل التكنولوجي غير كاف لتعويض الطفل عن الحنان وإحساسه بالأمن فهو يحتاج الى الاحتضان الحسي خاصة في ظل حالة عدم الاستقرار التي تعيشها الاسر في قطاع غزة، وانحسار مساحة الأمن المجتمعيّ".
ويضيف "عدا عن حالة الحرمان وضعف الثقة بالنفس وعدم تحقيق الاتزان النفسي والحرمان الوجداني، وحالة الخوف والقلق وانتظار المجهول، فإن هناك آثار نفسية وأحمال مضاعفة ستوكل على كاهل الأم أو الأب، وهذا يولد العديد من الضغوطات النفسية والجسدية، لا سيما وأن عملية التربية ليست عملية بيولوجية بل هي عملية تربوية تحتاج لمتابعة وارشاد وتوجيه، خاصة في ظل تشعب وسائل التربية حيث لم تعد الأسرة تمثل النواة الرئيسة لهذه العملية، فوجود طرفي الأسرة يعني أسرة سليمة معافاة من النواحي النفسية والعاطفية والسلوكية .
























