صار لكل ما يتعلق بالتنوير في العالم العربي أعداء يصلون إلى حد تهديد من يقرأ رواية جيدة بالويل والثبور وعظائم الأمور. هكذا تحول مشروع تدريس أدبي نبيل في اليمن إلى ساحة للتهديدات واضطهاد أصحاب الرأي، كي لا يتمكن كاتب من إتمام جملته، ومثقفٌ من قراءة ومطالعة ما يجب عليه مواصلته.
أُصبت بالدهشة عندما قرأت روايات علي المقري، تلك الدهشة التي نصاب بها عندما نكتشف كاتباً نادراً على غير توقع. فبينما تذوي الرواية العربية الآن رغم الجوائز الكبيرة هنا وهناك، بسبب الافتعال والسرعة والرغبة السهلة في كسب القراء، حتى ولو عبر الأدب التجاري السريع الشبيه بالوجبات الجاهزة، وبينما تنهال العبارات الانفعالية التي تريد أن ترفع من شأن كاتب أو أديب هنا أو هناك لسبب أو لآخر، أطلعتني كتب وروايات علي المقري على مشروع عملاق للكتابة في اليمن.
في رواياته بحث عن الماضي البعيد وربطه بما يجري حالياً. وبصريح العبارة هنالك ذلك البحث العميق عن أصول الاستبداد في مجتمعاتنا العربية. وهنالك عين نافذة ذكية، وقلم سيال، وبنية أدبية جميلة تمحص الواقع وتوغل تفتيشاً فيه عن "الإنسانية". لهذا تتميز كتاباته بأنها تفتش عن "الإنسان" فينا.
أما والساحة العربية نهبٌ لكل ظلامي جبان يتستر بالأدب والكتاب لكي يفرض مزيداً من هيمنته واضطهاده للمواطنين، فإن من وظيفة أية دولة تدعي أنها جديرة بحماية مواطنيها أن تحرس بعين الود والرعاية هؤلاء "الكُتّاب والمثقفين" الشجعان الذين يطمحون إلى تأسيس غدٍ مشرقٍ للأجيال الجديدة عبر الأدب والثقافة والفن.
إن تجاهل ما يجري وغض البصر عن تهديدات المتطرفين للكتاب والمثقفين بمثابة دعوةٍ لإسقاط المجتمع بكامله في غياهب الرعب والتخويف.
تنطلق حملة جمع توقيعات المثقفين العرب دعماً لحملة الدفاع عن الأستاذ الجامعي أحمد طرس العرامي الذي أراد تدريس رواية الكاتب علي المقري "حرمة". وقد وُجهت العريضة التي ستحمل أكثر من مائة توقيع لمثقف وكاتب عربي إلى عبد ربه هادي منصور رئيس الجمهورية اليمنية، وذلك "لحماية الكاتبين اليمنيين أحمد طرس العرامي وعلي المقري من تهديدات بالقتل، ومطالبة الحكومة اليمنية بتوفير الحماية لهما، وإعادة الأديب العرامي إلى عمله الأكاديمي الذي فُصل منه بسبب تدريسه رواية أدبية للمقري. وكان الشاعر العرامي قد تعرض للفصل من عمله الأكاديمي في كلية رداع بسبب اقتراحه على طلابه دراسة ومناقشة رواية "حرمة" للروائي علي المقري، واستجابة لضغوط المتطرفين، الذين رأوا أن الرواية تعرض لحياة الجهاديين وسلوكهم الجنسي بطريقة اعتبروها إباحية. ولم يكتفِ المتطرفون بفصل الشاعر العرامي، بل شنوا حملة كراهية واسعة ضده، إضافة إلى تهديده وأسرته بالقتل، وترويعه بفصل رأسه عن جسده وتعليقه في مدخل مدينة رداع.
نتيجة لكل ذلك، ولصمت السلطات اليمنية، اضطر الشاعر العرامي إلى الفرار خارج اليمن خوفاً على حياته. وكذلك يتعرض كاتب الرواية الأديب اليمني المعروف علي المقري إلى حملة كراهية شرسة، ويتلقى هو وعائلته تهديدات بالقتل مباشرة، وعبر مختلف وسائل الاتصال والإعلام.
الجدير ذكره أن الأديب المقري تعرض لثلاث حملات تكفيرية خلال السنوات السابقة بسبب كتاباته.
لم يعد التضامن مع الكتاب والمثقفين المهددين بإخراس أصواتهم من قبل نفوس مريضة تهذي بالعودة إلى العصور الوسطى ترفاً لهؤلاء الساكتين عما يحدث. ولم يعد تجاهل الإعلام العربي لما يحدث مقبولاً، خصوصاً من موقع غض البصر عن هؤلاء المرضى بالعنف والتخويف. ها نحن نعاني من نتائج إخفاء الأوضاع الكارثية للمجتمعات العربية، ومن نتائج عجز السلطات عن إدراك أهمية الفكر والثقافة في حسم الأوضاع الحالية باتجاه مستقبل أكثر أمناً وأماناً يجد فيه المواطن العربي نفسه جديراً بالحياة والحرية.
وقبل كل شيء، نعاني أيضاً من عجز المثقفين عن إدراك أهمية ما يحدث من إحباط وإسكات لكل كلمة شريفة تحت مسميات غريبة عن الأدب والثقافة، وهو التلويح والتهديد بأن "الجنس" موجود فيها. كل هذا ليس إلا حيلة قديمة فقدت كل مبرراتها لكي يصبح المجتمع كسيحاً عاجزاً أمام أيّ أُمي ومتطرف.
إن قضية إخراس المثقفين وإسكاتهم هي قضية أي واحد فينا، مهما كان المكان الذي يعيش فيه، سواء أكان تحت الاحتلال أم لم يكن. وما يجري حولنا من مظاهر الاستبداد بالشعوب ومنعها من العيش بحرية وبشكل طبيعي جدير بالكرامة الإنسانية تحت مسميات شتى هو معركتنا جميعاً. وهي فرصتنا الوحيدة والأخيرة التي لن تحدث بالمراقبة والتطلع من بعيد لبعيد.
لنتضامن مع الكاتب علي المقري والشاعر العرامي، لكي ينتصر الأمل.
(للاطلاع على عريضة التضامن:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp aid=361924)
























