تحقيق:
انعكست التحولات السياسية في الأراضي الفلسطينية مؤخراً على الصحافة بشكل عام، وتنامي الصحافة الاستقصائية بشكل خاص، إذا لا تزال تواجه ثقافة الصحافة الاستقصائية في المجتمع الكثير من التحديات خصوصا في الضفة الغربية.
وبعد عملية مسح كامل، قامت به معدة التحقيق، وجدت أن الوسائل الإعلامية تفتقر حتى النصف الأول من العام الحالي إلى التحقيقات الاستقصائية العميقة، والتي غالباً ما كان ينطوي عليها ردات أفعال وتحقق آثرٍ وتغيير في الواقع.
ويبدو واضحاً أن عزوف الكثير من الصحفيين والصحفيات في الأراضي الفلسطينية عن طرح هذا الباب (الصحافة الاستقصائية) عائداً إلى مجموعة من العوامل، أبرزها غياب حق الحصول على المعلومة، وفق ما أجمع عليه عدد كبير من الصحفيين.
ويرى أحمد يوسف وهو محرر صحفي في موقع (الترا صوت)، أن هناك سببين رئيسيين لعزوف الصحفيين، "وأنا أتحدث عن تجربة"، بدايتها: صعوبة الحصول على المعلومة، فعندما تتواصل مع شخص لإجراء مقابلة، يتهرب المسؤولين من الرد على الهاتف، وحتى لو أخبرتهم بعدم ذكر الاسم بشكل صريح، إلا أنهم يتهربون من الإجابات.
ويتابع، أما السبب الثاني لذلك، فهو عدم وجود أمن وحماية للصحفيين، وخاصة عند الحديث عن مواضيع الفساد، والكثير من القضايا التي ستتحول لدى البعض إلى مسألة عشائرية، أو أن يحتمي الفاسد بالأمن، وبالتالي يتم الانتقام من الصحفي ويتم ملاحقته، ويصبح الفاسد في وضع القوة والصحفي هو المجرم.
ويضيف يوسف، أما السبب الثالث: أنه مهما أنجزت تحقيقات في هذه البلد، لن يتم التغيير بنبسة كبيرة، فمثلا: هناك تحقيق أنجزه موقع العربي الجديد، الذي كشف عن فساد مهول في جمارك السيارات، في الوقت الذي نعيش فيه أزمة اقتصادية وإهدارا للمال العام، ولم يحرك ساكنا في هذا الموضوع، والسلطة لم تعلق عليه، وبالتالي أصبح الصحفي يفكر بعدم أهمية العمل الذي يقوم به، خاصة أن المبالغ المخصصة للتحقيقات قليلة جدا، فيقول الصحفي في نفسه: " كلهم 200$، لا يستحق وجع الرأس والمشاكل التي ستأتي من العشائر والأمن".
حواجز مع المؤسسات
بدوره أشار الإعلامي صالح مشارقة من الضفة الغربية، إلى جملة من الأسباب التي تقف وراء عزوف الصحفيين عن كتابة التحقيقات الاستقصائية، من أهمها أن التحقيقات تخلق صداما مع المؤسسات ومع الجمهور، وبالتالي فهي أصعب فنون الكتابة الصحفية، على عكس الفنون الأخرى التي تصنع علاقة طيبة مع الجمهور، أما الصحافة الاستقصائية فهي تعد مسألة مساءلة ومكاشفة للمعلومات وللجهات التي هدرت مالا أو قيمة ما في المجتمع، وبالتالي هي غير قريبة من عالم الصحفيين الشغوفين بالتسجيلات الصحفية.
ويضيف مشارقة، أن التحقيقات تحتاج لوقت أطول للمقابلات وملاحقة المعلومات، ولمعدات وتمويل، وهذا النوع من الصحافة بحاجة لمساحات أكبر في وسائل الاعلام، وجمهورها قليل جدا، وهذا يقود الصحفيين للابتعاد عن هذا النوع من الصحافة.
ويتابع، هناك سبب ثالث ومنتشر على صعيد العالم وليس فقط محليا، وهو عدم جرأة المؤسسات الصحفية في مواجهة المسؤولين أو الحكومات أو القطاع الخاص وغيرها، وتفضل الاستمرار في حياة صحفية آمنة وسليمة عبر الأخبار والتغطيات الصحفية والقصص، بعيدا عن المواجهة.
ويواصل مشارقه حديثه، رأيي كأستاذ إعلام، هناك أسباب حديثة دخلت عالم الصحافة وتتعلق بالعملاق الرقمي، التي غيرت معايير إنتاج واستهلاك الإعلام، وصنعت حالة جديدة حول الفنون الإخبارية.
تجربة أكاديمية
وتحدث مشارقة عن تجربة مركز تطوير الإعلام-بير زيت لعام 2018، في كتابة التحقيقات الاستقصائية، بالشراكة مع البيت الدنماركي ومع المنظمة الدولية لدعم الاعلام، قائلا: "إن فكرة المشروع تقوم على بناء تجربة تدريبية وعملية لعدد من الصحفيين لمدة ثمانية أشهر، لإنتاج تحقيقات ذات طابع جديد ممكنة بالأدوات التقنية والفيديو جرافيك وأخلاقيات جديدة في الإعلام، عبر ورقة أخلاقيات ومدونة سلوك وقع عليها كل المشاركين في التدريب، وهذه المعايير لا تصلح لفترة التدريب، بل لكافة الصحفيين أثناء ممارستهم عملية التحقيق الصحفي، وتم توفير موازنة تغطي تكاليف التحقيق".
وأضاف، "نحن الآن نشارف على الانتهاء من المشروع، ونجحنا في إنتاج مجموعة من التحقيقات في أكثر من مجال بما يقارب 90%، وكمستشار ومحرر للتحقيقات أنا راض جدا عنها، وهناك نزاهة عالية وموضوعية من قبل الصحفيين أثناء تناول الموضوع، وهناك مكاشفة مع مسؤولين وردت أسماؤهم في مسؤوليات صحية وأخلاقية واجتماعية وتنظيمية وقانونية، ولا يوجد تحقيقات سياسية".
أما الصعوبات التي واجهت المشروع، أشار صالح مشارقة، إلى جملة من الصعوبات أهمها: الصعوبات التقليدية، ومنها تهرب المسؤولين، وعدم جرأة المؤسسات الأهلية والقطاع الخاص في الإجابة على الأسئلة، وخوف المتضررين من الملاحقة وطلبهم عدم ذكر أسماؤهم، أو عدم ذكر الأسماء الحقيقية لأشخاص قد تسبب لهم بعض القضايا وصمات في المستقبل، مثل: الاعتداءات الجسدية والبيولوجية، والتعذيب السياسي أحيانا أو الجنائي.
وقال: "الأهم في الموضوع، إنجاز تحقيقات تؤدي إلى إحداث وعي جديد، وحماية الناس المتضررين والمستهدفين في التحقيقات، ومن أهم نقاط النجاح التي توصلنا إليها،وهي نقطة إقناع المسؤولين بالرد على هذه التحقيقات وبأهمية الجلوس أمام الكاميرا، أو التسجيل لتوضيح وجهات النظر، وهذا حدث في عدد من التحقيقات وبدأوا يثقون أن أجندة الإعلام ليست سياسية ولا تكره الدولة".
سنوات من التجربة
وتحدث منتصر حمدان، رئيس قسم التحقيقات في صحيفة الحياة، لشبكة "نوى" الإخبارية، عن تجربة صحيفته، قائلا: "تجربة الحياة الجديدة في موضوع التحقيقات الاستقصائية، جاءت لوجود قناعة بأن الجمهور لديه انطباعا أن جريدة الحياة مقاربة مع السلطة الفلسطينية، وهي ليست كذلك، بل هي صحفية أسست بشكل خاص، ثم نقل جزءا من موظفيها للقطاع العام، ولكن بقيت تحمل هويتها في القطاع الخاص ومؤسسيها مستقلين حتى لو كان لديهم انتماءات سياسية، وعندما قيل أن الصحيفة قريبة من السلطة، كنت أنا من الأشخاص الذين وافقوا بوجود إعلام رسمي، لكن بشرط مضاعفة في التركيز على قضايا ومشاكل وهموم الناس، وننطلق من قاعدة أن أكبر خدمة نقدمها لرئيس السلطة الفلسطينية، ولرئيس المكتب السياسي لحركة حماس، ولقادة الفصائل والأحزاب، وللجمهور، ولمؤسسات المجتمع المدني"، ويضيف: "وأن نقدم معلومات بالحقائق بطريقة مهنية، بمعزل عن التدخلات الشخصية أو الحزبية أو الفكرية، وأن يتخذ أصحاب القرار قراراتهم بناء على هذه المعلومات الموثقة والدقيقة، وهذا الدور من الممكن أن تلعبه كل وسائل الإعلام بغض النظر عن انتماءها، فدورها ليس الترويج لفكر أو لوجهة نظر على حساب وجهات النظر الأخرى، فالناس تنحاز للحقائق".
وتابع حمدان حديثه، "ومن خلال هذه القناعة بدأت تجربة الحياة الجديدة بتحقيقات لها علاقة بقضايا المجتمع في كافة المجالات، فكانت أول صحيفة ورقية فلسطينية تؤسس وحدة تحقيقات صحفية، وهذا بدأ بجهد فردي وبعد ذلك حظي بدعم وإسناد من إدارة المؤسسة في السنوات السابقة، ومرت الجريدة بتجربة ممتعة على مستوى الضفة والقطاع، فكان هناك تحديا بإنتاج تحقيق أسبوعي ينشر كل يوم أربعاء، فكنا ننتج بمعدل48 تحقيقا في السنة، ولكن بسبب التغيرات والتحويلات، والمرتبطة بعضها بالانقسام والهجمة على النظام السياسي الفلسطيني بشقيه المعارض والمؤيد، زادت التحديات، وهذا خلق بيئة غير مواتية من وجهة نظر صانع القرار، أو يكون هناك موضوع انفتاح وتحقيقات وإعطاء معلومات".
مشاكل وتحديات
وأشار رئيس وحدة التحقيقات، لجملة من التحديات التي واجهت الوحدة، أهمها: "تغيير القائمين على إدارة الصحفية، وكذلك تغيير مجلس الإدارة وتحكم الإعلام الرسمي، مما نتج عنه مجموعة مشاكل واجهتهم على المستوى الداخلي، فقد تجد رئيس تحرير ومجلس إدارة داعم، ولكن الهيئات القيادية غير داعمة ومعطلة، فانعدمت الموازنات المالية المخصصة للدائرة، ولم يعد هناك أي استحقاقات للعاملين معنا في مجال التحقيقات، وأصبح هناك عدم شعور بالأمن كموظف من الممكن أن يتم استهدافك أو التخلي عنك، إضافة لعدم وجود سياسة تحرير واضحة، وعدم وجود مسؤوليات وصلاحيات واضحة ومتفقا عليها".
وقال حمدان: "وجود حالة عدم استقرار في الجريدة، وتضارب المصالح، أضعف التوجه للفكرة التي أقيمت من أجلها دائرة التحقيقات، أن الورقي لا يستطيع أن ينافس على الأخبار، فالدائرة متوقفة عن العمل منذ 10 شهور، وتطالب بتحديد صلاحياتها ومسؤولياتها".
وأضاف، "هناك مجموعة تحديات تواجهنا على المستوى الداخلي، من تنظيم وإدارة وغياب الصلاحيات والمسؤوليات وسياسة التحرير، وعدم الالتزام بقواعد أخلاقيات المهنة من قبل الصحيفة، وعدم تسهيل العمل، وغياب ونقص الموازنات، والإخلال بالاتفاقيات الموقعة مع هيئة مكافحة الفساد وائتلاف أمان، والمؤسسات الشريكة".
وتابع الصحفي حمدان، "بشكل عام أكثر التحديات التي تسبب عزوف الصحفيين عن هذا المجال من الكتابة، شعورهم واعتقادهم أن الصحفي غير محمي، لأن جزءا منهم منتمي لأفكار وأحزاب سياسية، فالضمان لحمايته هو الالتزام بقواعد وأخلاقيات المهنة.
إضافة لعدم وجود رعاية معنوية ومادية وبيئة تشجيعية من قبل المؤسسات الإعلامية، فاليوم أصبحت الصحف تهتم بإعلانات شركة الوطنية وجوال والشركات الأخرى، ولا تستطيع أن تنشر ما يعارض مصالحهم، ومع الأسف، الإعلام المحلي لم يؤسس فكرة الولاء للجمهور وقضاياهم، فالتحقيقات هدفها الكشف عن تجاوزات في الأنظمة والتشريعات والقوانين والإجراءات المعمول فيها، والعمل على تحليلها واستنباط حقائق جديدة وتقديم الحلول".
انتقاد
وسجلت ورقة بحيثة أعدها ائتلاف من أجل النزاهة والشفافية (أمان)، انتقاداً لبعض النصوص القانونية والتي ترى فيها، أنها تشكل عائقاً أمام الصحفيين الاستقصائيين. خصوصا المواد التي تستخدم نهج "تمييع" الألفاظ في القانون وجعلها فضفاضة، مثل: "الإساءة للوحدة الوطنية" و "زرع الأحقاد".. الخ، فضلا عن حظر نشر المعلومات السرية، ومن بينها المعلومات السرية الخاصة بالشرطة والأمن العام، ووقائع الجلسات السرية للمجلس الوطني ومجلس الوزراء.
إضافة إلى ذلك ذلك تشير الدراسة التي حملت عنوان (الثقافة القانونية للإعلاميين الاستقصائيين)، إلى أن العديد من القوانين التي جاءت بعد قانون النشر والمطبوعات الفلسطيني، قد نصت على سرية البيانات وحفظ نشر الوثائق السرية كقانون سلطة النقد، وقانون ضريبة الدخل.
بدوره اعتبر محمد أبو قمر مدير تحرير صحيفة الرسالة الصادرة من غزة، أن العمل الاستقصائي ينطوي على البحث والمخاطرة، لأنه يقدم أحياناً النقد البناء للمقامات العليا، "وهنا يكون الأصعب؛ لأنه يتعدى الخطوط التي وضعها المجتمع ويحظر عليه المساس بها". كما قال.
وأضاف أبو قمر: "يحاول البعض من الصحافيات/يين الابتعاد عن الخوض في هذا المضمار نظرا للصعوبات والاشكاليات التي يواجهها في العمل به، خصوصا أنه سيجد صورة عكسية مقابل رسالته التي يعرضها على أصحاب الجهات التي يتمحور حولها الاستقصاء الصحافي، محاولين التبرير أن فلسطين دولة تخضع للاحتلال ولا تعيش مراحل التحرير، وهناك معايير لا يجوز تجاوزها حتى لا يشتت المجتمع الفلسطيني".
في الوقت نفسه شدد على مجموعة من النقاط المهمة التي قال إنه يجب على الصحافي المستقصي التركيز عليها وهى: "بناء فرضيته بشكل موضوعي مهني، وتحري البحث الدقيق، وأن يكون على دراية بالبيئة القانونية التي ستحميه، وكذلك وجود مسوؤلية اجتماعية".
وحول أعداد الصحافيين الاستقصائيين أكد أبو قمر أن عددهم محدود وينقصهم الكثير من التدريبات، لكن في نفس الوقت هناك اقبال على العمل الاستقصائي بتقدرير جيد جدا على الأقل بالنسبة لقطاع غزة.
وبين أن الصحافيين الاستقصائيين أمام تحدّ كبير لأن التحيقيقات تندرج ضمن فئة الإعلام المكتوب، الذي بات يصارع وجوده في ظل انتشار وسيطرة الإعلام الرقمي الحديث.
وطالب أبو قمر الجهات الحقوقية والمؤسسات الإعلامية المعنية في بيئة العمل الاستقصائي تشجيع الصحافيات/ين على العمل الاستقصائي، كونه هو الأداة الفعالة في الإعلام المكتوب، ليبقى استمرار الكشف عن الخبايا التي تهم المجتمع والكشف عن أوجه الفساد.
عماد الصحافة
أما نزار حبش، مدير وحدة الصحافة الاستقصائية في تلفزيون وطن، فرأى أن الصحافة الاستقصائية هي عماد الصحافة، وبدونها نتحدث عن نقل معلومة وإعلام دعائي.
وقال: "نحن نتميز عن غيرنا من الوكالات والتلفزيونات الفلسطينية في هذا المجال، فتم تأسيس وحدة الصحافة الاستقصائية، ونحاول من خلال فريق العمل إخراج تحقيقات صحفية جديدة في عدة قضايا بمختلف القطاعات والمجالات."
وتابع، "هناك جملة من التحقيقات التي لاقت رواجاً وصدى عند الجمهور، وهذا ما رصدناه من خلال عدد القراءات على موقعنا، وهذا ناتج عن تعطش المواطن للصحافة الاستقصائية الجريئة، والتي تكشف عن شيء جديد للرأي العام، فمثلا تحقيق "أطفال يتلذذون بالكيماوي"، هذا التحقيق خلق وعيا لدى الجمهور، والجهات الرقابية عملت أكثر على هذا الموضوع".
وتطرق حبش للتحديات التي تواجه هذا النوع من الكتابة الصحافية، والتي تتمثل في غياب حق الحصول على المعلومة، فهذه أكثر المشاكل التي يواجها الصحفيين، وفي بعض الأحيان يلجؤون للتصوير السري الممنوع في القانون الفلسطيني، لعدم توفر وسائل قانونية للحصول على المعلومة.
إضافة إلى أن المناخ الديمقراطي في البلد، غير داعم ومشجع للصحفيين على متابعة القضايا المجتمعية، إضافة للوقت الطويل لإنجاز التحقيق والأموال اللازمة لإنتاج التحقيق.
ويرى مدير وحدة الصحافة الاستقصائية، أن النقابة لا تلعب الدور المطلوب لحماية الصحفيين، ولكن في الآونة الأخيرة كان لها دورا في بعض القضايا، من خلال البيانات الصحفية وارتفاع في اللهجة، هذا شيء جيد، ونطمح أن يكون لها دور وقوة مثل: نقابة المحاميين على سبيل المثال.
وعن التهديدات التي تعرضت لها الوحدة، قال حبش: "نحن في "وطن" تعرضنا للتهديد نتيجة بعض التحقيقات، وهناك قضايا في المحاكم نجحنا فيها، لأن كل عملنا كان موثقا، وكنا نعرض التحقيق على مختص قانوني قبل نشره، وقبل فترة اتصل بي شخصا وقال لي: "رح أقطع راسك عن جسمك"، وكل التهديدات التي تصلنا نحولها مباشرة للشرطة أو نعمل على نشرها".
للإدارة دور
يؤكد الصحفي حبش، على أهمية دعم الإدارة لهذا المجال من الكتابة الصحافية، "فإذا كان في الإدارة توجه واضح وصريح لدعم الصحافة الاستقصائية، يكون العمل أسهل، ولكن إذا كانت الإدارة غير مقتنعة بأهمية وجدوى الصحافة الاستقصائية هنا نتحدث عن كارثة صحفية، نحن في "وطن" ومنذ 8 سنوات ونحن نعمل في هذا المجال، ونعمل شهريا على تحقيقات حول موضوع معين، وهذا نابع من توجه الإدارة والاهتمام بهذا الموضوع".
وأضاف: "وتجربة "وطن" في الصحافة التلفازية الاستقصائية هي الأولى في هذا المجال، وهناك الكثير من النجاحات والأمور التي تغيرت نتيجة التحقيقات الاستقصائية، وهناك الكثير من الجوائز التي حصلنا عليها، مثل: جائزة بوعزيز للتحقيقات الاستقصائية، وكانت "وطن" هي أول مؤسسة فلسطينية تحصل على هذه الجائزة، وحصلنا على جائزة النزاهة والشفافية، وهذا يدل على أن المادة الصحافية التي ننجزها هي منافسة جيدة وتقدم جديد".
ونوه مدير وحدة الصحافة الاستقصائية، أن رؤية الوحدة، تهدف على الاستمرار في هذا المجال والعمل على تطويره، حتى يكون للصحافة الاستقصائية هيبتها ومكانتها في فلسطين، "نحن خطينا مسيرة كبيرة في هذا الموضوع، وطموحنا عمل تحقيقات عابرة للحدود، وأن نصل لكبار رؤوس الفساد في فلسطين، في أعلى الهرم السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي، ونتمنى ألا يكون هناك خط أحمر".
في المقابل، وعلى الرغم من خفوت ضوء التحقيقات الاستقصائية بعد أيام قليلة من النشر، يجب ألا يدفع بحال من الأحوال الصحفيين نحو التراجع عن ممارسة دورهم، وفق ما قالته الصحفية الاستقصائية شيماء مرزوق.
وسبق لمرزوق أن أنجزت تحقيقا عن "الاستيلاء على موقع تل السكن الأثري، وتوزيع جزءا من أرضه لصالح موظفين كبار"، أرادت من خلاله إثبات ما لحق بالموقع الأثري الذي يعود تاريخه إلى نحو5000 عام، من أذى نتيجة التجريف الحاصل أملًا في إنقاذ ما تبقى ومحاسبة المسولين عما لحق بالموقع.
والحقيقة أن التحقيق الحائز على جائزة أمان للنزاهة والمساءلة لعام 2017 رغم ما ضمّه من شهادات، إلا أن أي من المسؤولين لم يتعرض للمساءلة بل سارت الأمور كما كانت، وفي النهاية تم تقسيم الموقع وأُغلقت القضية على "لا شيء".
وعلى الرغم من ذلك، تقول الصحفية الاستقصائية شيماء مرزوق: "حين ننشر التحقيق الاستقصائي نعتبر ذلك بلاغا للنائب العام، فمثلًا: تحقيق الزميل محمود هنية حول بيع عناصر من الشرطة البحرية للأسماك التي يتم اصطيادها من الميناء، هذه معلومات مهمة تتطلب فتح تحقيق رسمي".
وتضيف مرزوق أن التحقيق الاستقصائي هو ما يميز الصحفي وهو مرهق زمنيًا وفكريًا في متابعة القضية وإثباتها، بالتالي هم يريدون له نتيجة، لكنها ترى أن رد فعل الناس فهذا من شأنه تحقيق ضغط، في تحقيق تل السكن سمعنا أنه تم فتح تحقيق في النيابة ولكن لسنا في دولة قانون حتى تتم المحاسبة".
وتعتقد مرزوق أن هذا الوضع يجب ألا يدفع الصحفيات/يين للإحباط، فهذا جهد تراكمي ويجب أن يستمر، فعمل التحقيقات هو دورنا كصحفيات/يين، ويبقى لدى باقي الجهات عملها لتواصله، فنحن لسنا دولة قانون الآن ولكن يجب أن يحدث تغيير.
ملاحظات
وهنا يتفق مدير مكتب الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" وائل بعلوشة مع سابقته، في التأكيد على أهمية الصحافة الاستقصائية على الرغم من تسجيله لبعض الملاحظات.
وقال بعلوشة: "خلال الأعوام الأخيرة تنامى العمل الصحفي الاستقصائي في فلسطين وتحديدا في قطاع غزة، ولكن ورغم الزيادة الملحوظة في عدد التحقيقات الاستقصائية، إلا أن هناك الكثير من الملاحظات على عمل البيئة الممكنة للعمل الاستقصائي، منها: عدم وجود منصات إعلامية كافية، إضافة إلى ضعف الثقافة العامة والبيئة القانونية، فهي كلها أسباباً تحد من فاعلية التحقيقات".
وأضاف: "فيما يتعلق بمدى موائمة القوانين الفلسطينية للبيئة الصحفية، فإن القوانين الفلسطينية برمتها تعيق الصحافة الاستقصائية، وعلى سبيل المثال فإن قانون الجرائم الالكترونية، يعد من أخطر القوانين على الصحافة الاستقصائية، فضلا عن عدم إقرار قانون الحق في الحصول على المعلومات، وقانون الأرشيف الوطني، هذا كله يزيد من تعقيد الأمر".
وعن تقييمه لأداء الصحفيين الاستقصائيين، قال بعلوشة: "من الملاحظ وجود تطور في أداء الصحفيين الاستقصائيين، حيث بدأ يتلاشي اللبس ما بين التحقيق الاستقصائي و تقرير المساءلة، بعد وقت طويل وجهد كبير، أفضى لتحسين الفهم للتحقيق الاستقصائي بوصفه عمل يمنع وقوع فساد أو يكشف عنه".
وأكد على دور مؤسسته في دعم التحقيقات الاستقصائية، قائلا: "ساهمت أمان على مدار الخمس سنوات الأخيرة في زيادة عدد التحقيقات والمحققين الاستقصائيين، حيث تقدم أمان سنويا جوائز للصحفيين الاستقصائيين ممن قدموا إنجازات وأحدثوا تغييرا، أو منعوا وقوع جرائم فساد، بالاضافة إلى دعم بعض المبادرة للصحفيين الاستقصائيين سواء بشكل مباشر أو عبر شركاء أمان".
وأفاد مدير ائتلاف (أمان) في غزة، أن جميع القضايا التي طرحها الصحفيون كانت حساسة وأثارت حفيظة حاملي المسؤوليات، غير أن (أمان) دعمت وتدعم الصحفيين على المستوى القانوني، حتى لا يكونوا عرضة للمساءلة القانونية"، كما قال.
وأشار إلى أنه في حال تم ملاحقة الصحفي تقوم أمان وكذلك المجتمع المدني، باستنفار الجهود للدفاع عن الصحفي، مبينا أنه لدى مؤسسته قدرةً على فتح نقاش مع الجهات المختلفة؛ لاقناعها بأهمية الدور المساند الذي تلعبه الصحافة الاستقصائية، لاسيما للمؤسسات الرقابية الرسمية.
























