يلفت انتباهنا مجددا الموقف العربي الرسمي المتخاذل، والذي تم التعبير عنه بالأمس في مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي انعقد لتدارس ما يتعرض له قطاع غزة من عدوان همجي لآلة الحرب الإسرائيلية، والتي راح ضحيتها حتى الآن ولليوم الخامس على التوالي نحو خمسة و خمسون شهيدا وشهيدة، ونحو خمسمائة وخمسون جريحا نسبة كبيرة منهم من الأطفال والنساء وكبار السن .
لسنا مفاجئون من موقف النافذون والأقوياء من الأنظمة العربية والذين اعتدنا عليهم أن يتعاملوا مع قضية شعبنا وكأنها مجرد قضية إغاثية، أما مواقفهم السياسية فهي مرتهنة بموقف حلفائهم الأمريكان والذين هم بدورهم داعمون لدولة العدو الصهيوني، حيث مصالحهم وارتباطاتهم تزكم أنوفهم، فلا تجعلهم يشتمون رائحة الدم الفلسطيني الذي تريقه اسرائيل في غزة، والفلسطينيون يطالبون بحقهم في الحياة وحقهم في وطنهم الذي باعه ولازال الحكام العرب قطعة قطعة بمبادراتهم واقتراحاتهم التي جلبت الويلات على شعبنا حتى الآن.
لم يجرؤ أن يتخذ المؤتمرون (المتآمرون) قرارا بإلزام قطر والمغرب وعمان والأردن قطع علاقاتهم المباشرة مع دولة اسرائيل الغازية أو سحب سفرائهم منها أو طرد سفرائها من عواصمهم، أما وزير خارجية فلسطين المظفر فقد فعل كما قال يوما محمود درويش ( يبكي على أندلسٍ إن حُوصرت حلبُ) فكان ينظر للقضية من زاوية العين الواحدة ، فهو يرى الحرب على قطاع غزة وما يجري فيها، مجرد مؤامرة لتعطيل مشروع الدولة المنقوصة التي يعد نفسه بالحصول عليها في الأمم المتحدة، ولا يرى أن قطاع غزة هو جزء من الدولة التي يعد نفسه بها ، فكيف سينتصر لدولته عالميا، وهو غير قادر أن ينتصر لنصف هذه الدولة عربيا، و لم يطالب إخوانه المستعربون حتى بالقول بأن يقاطعوا اسرائيل ومحاصرتها، وهذا أقل ما يمكن فعله وهو أضعف الإيمان، حتى أنه لم يتحدث بمستوى قوة لغة الخطاب اللبناني أو السوداني، واكتفى بلغة مشذبة وموزونة جيدا.
أما بعض العرب فقد بيّضوا صفحتهم بالقول، ولكنهم يرون بالفعل أن المسألة لا تعدو كونها بعض المال الذي عليهم إعطائه لغزة ، ولكن هذا مالا تحتاجه غزة الآن، بل تحتاج أن ترى القوى الفلسطينية مجتمعة بوضوح، مواقف هذه الدول وأبعادها ارتباطا بمصالحها، وألاّ يغرّننا أي قول من هذه الدول كما الطبل الأجوف، لأن ما يحتاجه قطاع غزة والضفة الغربية وشعبنا في كل مكان، هو أن ينتهز هذه الفرصة اللذين لديهم إرادة حقيقية للانتصار لقضية شعبنا الوطنية ، وعليهم الآن رؤية أن المعادلة تتغيّر على أرض الواقع في بعدها الاستراتيجي وليس التكتيكي فقط، وعليهم أن يقرأوا الدرس جيدا ولا ينسوا قصة شهيرة قرأوها في طفولتهم ( لقد أُكلتُ يوم أُكِل الثور الأبيض) ، وأن يُدركوا جيدا أن إسرائيل لن تسمح لطرف أن يمضي بمشروعه ( الدولة المنقوصة السيادة)، لأن اسرائيل لا تقبل حتى اسم دولة فلسطين على الورق فكيف ستقبلها في الواقع، كما لن تسمح للطرف الثاني أن يبني سلطته ويكون شوكة في خاصرتها، وعلى الجميع أن يُدركوا إذا كان لديهم نيّة حقيقية في الانتصار لقضية شعبهم وأن ينتصروا لدماء غزة النازفة، أن عليهم نبذ الخلافات والحسابات الفئوية جانبا وأن يتقدموا الصفوف النابضة في الشارع الآن من أجل تحريك قواهم لمواجهة اسرائيل، التي مازالت تقضم الأرض في الضفة رويداً رويداً حتى باتت تضيق على ساكنيها ، وأنها تستنزف دماء وقدرات غزة مرة تلو المرة في محاولة لإضعافها ، وهذا يتم أمام العرب الذين لازالوا يفكرون كيف سيدرسون من جديد قضية الشعب الفلسطيني، لأن دراساتهم السابقة لم تنفع حسب قول أغلب وزراء الخارجية.
ونعتقد أن على القوى الفلسطينية مجتمعة أن لا تنتظر اللجان والمبادرات العربية الموعودة، وأن تدرك أن وحدة الصف الفلسطيني هو الذي سيحقق النصر وليس الاستفراد الفئوي مهما كان عنوانه ومهما كانت النوايا حسنة.
























