رام الله (خاص ) شبكة نوى - تقرير: فرح كيلاني
لم تتوقف أزمة الشعب الفلسطيني الاقتصادية على من يؤيد مقاطعة البضائع الاسرائيلية أو عدم مقاطعتها، بل تخطت كل الحدود ليصل بها الأمر الى استيراد الاسمنت من شركة اسرائيلية، والارتكاز عليها كمورد اساسي للسوق الفلسطينية، وفي معزل عن البعد الوطني والمفاهيم المرتبطة بالصراع الاقتصادي مع الاحتلال، يمكن التساؤل بكل بساطة: ماذا لو تعطلت الالة الاسرائيلية المصنعة للإسمنت، وماذا سيكون مصير شركات المقاولات الفلسطينية، أو قطاع المنشآت الفلسطينية والأيدي العاملة في المصانع، أليس من الجدير الالتفات الى هذه النقطة وأخذها بالحسبان، والخروج من حدود السيطرة التي تفرضها اسرائيل على كافة القطاعات؟
بدأ مدير أحد محال الاسمنت في نابلس محمد أحمد بالحديث عن أزمة الاسمنت التي حدثت بقوله " بالرغم من انحسار المشكلة، الا أن الأزمة أوقعتنا في خسائر لا تحصى، حيث أصبحنا نعاني الآن من خلل في الميزانية الشهرية، ولا شك أن الأزمة عادت بقدراتنا الذاتية للخلف، ولم تقف الأمور إلى هنا؛ بل تعدت إلى توتر العلاقة بيننا كبائعين ويبن الزبون المستهلك، ونتج عن ذلك فقدان للثقة التي تبنى عليها أي علاقة".
ويتابع: " تحول الأمر الى استغلال من قبل بعض المستوردين، حيث أدى الطلب الهائل على الاسمنت مقابل ما يتوفر من كميات ضئيلة الى إتاحة الفرصة لهؤلاء المستوردين بالتحكم في أسعار الإسمنت كما يحلو لهم، غاضين البصر عن الظروف الصعبة التي يتعرض لها غيرهم سواء شركات مقاولة أو مصانع".
المدير العام للشركة الدولية لتسويق الإسمنت عبد الرحمن عوض تحدث عن بدايات الأزمة قائلا: "كان العطل في آلة تصنيع الاسمنت التابعة لشركة "نيشر الاسرائيلية" كفيلا بخلق الأزمة، فاكتفت حينها هذه الشركة بتغطية حاجة السوق الاسرائيلي فقط، وباعتبارها المورد الأساسي للإسمنت إلى لسوق الفلسطيني، أدى ذلك الى انقلاب المشكلة على رأس قطاع المنشات الفلسطيني".
ويضيف: "تم اللجوء خلال الأزمة الى الأردن وتركيا لسد القليل من حاجة السوق الفلسطينية من الاسمنت، إلا أن الحال لم يكن أفضل بكثير؛ كوننا نرتكز على الشركة الاسرائيلية في الحصول على الإسمنت بما نسبته 80% بموجب "بروتوكول باريس" ، والأهم من ذلك أن جميع المعابر يتحك بها الاحتلال الاسرائيلي، والاحتلال قادر على فرض المشكلة متى شاء والتخلص منها متى شاء".
ويشير عوض إلى أنه في ظل الازمة لم ترفع الاسعار بتاتا، حيث قاموا كشركة تسويق بالإعلان أن الاسعار ستبقى على حالها رغم الشح في كمية الاسمنت المتوفرة، لكن ما حدث ظهور "سوق سوداء" خاصة بالاسمنت "المكيس"، وذلك عندما باشرت بعض الشركات باستغلال الوضع الراهن من خلال جلب كميات قليلة من الاسمنت من الشركات الاردنية ورفع السعر الذي هو بالأصل 390 شيكل، ليصل الى 540 شيكل.
ويعتقد عوض أنه لا بد من ايجاد بديل حتى لا تتكرر الأزمة، ويقول:" يتمثل ذلك بمشروع مصنع للاسمنت، أو حتى طاحنة للاسمنت تعنى بالسوق الفلسطينية، كونه يجب علينا أن نحترم أنفسنا وسيادتنا الفلسطينية بدلا من اقتصار الأمر على الاستيراد من اسرائيل، فهو مشروع سيادي ايضا، ويعتبر عنصرا اساسيا لأي دولة بالعالم".
من الجدير ذكره؛ في عام 1936 زمن الانتداب البريطاني، باشرت مدينة الخليل بانشاء أول شركة تصنيع للإسمنت، الا أن الانتداب قام بوضع العراقيل أمام المشروع، وعملت على تعجيز الشركة ما أدى الى اغلاقها، وهذا ما يحدث تماما في الوقت الراهن، فإسرائيل لم ولن تترك الشعب الفلسطيني بشأنه؛ ويعود السبب الأهم الى أن اسرائيل تعتبر السوق الفلسطينية واجهة أساسية تستند عليها لدعم اقتصادها.
خسائر يومية نتيجة الاحتكار
يذكر رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيين عادل عودة في حديث له مع "جي بي سي" نيوز، أن كمية النقص وصلت الى 90% من احتياجات قطاع الانشاءات اليومي، وان الخسائر اليومية التي نتجت عن هذا النقص بلغت 150 مليون شيكل في اليوم الواحد.
وحمل عودة شركة الخدمات الفلسطينية والتي يصفها بالمحتكرة للإسمنت مسؤولية الازمة، بقوله " ان الأزمة نجمت عن توقف الشركة الاسرائيلية المنتجة" نيشر" بتزويد الشركة الفلسطينية المستوردة لهذه المادة، ما تسبب بتعطل شبه كامل عن العمل لدى شركات المقاولات والانشاءات ومصانع الباطون الفلسطينية، والمعتمدة بشكل رئيس على هذه الشركة".
ويتابع: "ان بروتوكول باريس لا يمنع استيراد الاسمنت من دول اخرى غير اسرائيل، متهما هنا الشركة المحتكرة بجني أرباح على حساب الشعب".
ويقول حول الخسائر الخسائر "شركات القطاع الخاص هي من سيتحمل خسائر الأزمة، فالحكومة عاجزة عن دفع الالتزامات الأساسية"، ويؤكد عودة على ضرورة التوجه الى مشروع سيادي فلسطيني يختص بالاسمنت، لتجنب الأزمة مرة أخرى.
انعكاسات على العمالة المحلية
لم تقتصر الأزمة على شركات المقاولات والمحال فكان للأيدي العاملة في مصانع الباطون وسائقي الشاحنات التي تنقل الاسمنت نصيبا كبيرا منها.
محمد طاهر أحد سائقي الشاحنات المختصة بالاسمنت على معبر الطيبة، يشير الى أن تفاقم أزمة الاسمنت أثرت بشكل كبير على الأيدي العاملة وسائقي الشاحنات المختصة بنقل الاسمنت في المقدمة، فخلال شهر الأزمة توقفت تلك الأيدي والشاحنات عن العمل نهائيا، علما بأن أصحاب الشاحنات يتحملون تكاليف صيانة الشاحنات، اضافة الى تأثر الوضع المادي لشح العمل في تلك الفترة بحسب قوله.
ويؤكد" أنه لا بد بعد كل ما مررنا به كسائقين وعمال وشركات ومصانع، الاتجاه لإيجاد بديل حتى لا نقع في المشكلة مرة أخرة، وكفانا اعتمادا على الجانب الاسرائيلي في معظم أمور حياتنا، ومن الأحق أن نملك شركة "نيشر" فلسطينية وليست اسرائيلية حتى لا تبدي نفسها علينا، ويكون مصيرنا معلقا بالشركة الاسرائيلية في المرات المقبلة".
أما ماجد رامي (44 عاما) ويعمل قصارا في جبع، فيصف الوضع الاقتصادي بالصعب جدا، فهو بحاجة إلى العمل اليومي كي يوفر قوت عائلته، فيقول: "أدت مشكلة نقص الاسمنت الى لتعطلي عن العمل طيلة الشهر الذي مضى، وبات الوضع المادي صعبا الى ابعد الحدود، لم يسعني أن اوفر جميع المتطلبات الأساسية التي أحتاجها وعائلتي، فأدعو الله أن لا تتكرر الأزمة حتى لا أجد نفسي في ذات الموقف مجددا".
وأما محمد جعايصة من الفارعة، توقف عن استكمال بناء بيته نظرا لانقطاع الاسمنت، ويقول حول ذلك: " تأخرت عملية البناء لوقت ليس بالهين، مما أدى الى تعطيل الخطوات اللاحقة من البناء والتي تم الاتفاق عليها مع المقاول، وتعدى الأمر ايضا الى توتر في العلاقة معه"، ويوضح جعايصة كان التأخير في توفير المواد اللازمة في البناء ومن ثم ارتفاع الأسعار في فترة النقص سببا في إعاقة مادية نظرا للميزانية التي وضعت لبناء المنزل".
مشكلة الإسمنت إحدى المشكلات الكثيرة التي يعاني منها السوق الفلسطيني نتيجة سياسات الاحتلال الاحتكارية والمتحكمة، علاوة على العراقيل التي توضع أمام التجار والمستوردين في المساحات التي يمكن أن تشكل حلولا غير جذرية للتحكم الإسرائيلي، في ظل عجز الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال عن تلبية الحاجات التصاعدية للسوق الفلسطينية، واختفاء قوى حقيقية ضاغطة على السياسة التي تنتهجها إسرائيل تجاه شعب فلسطين، ليبقى الفلسطيني حائرا أمام حتمية إيجاد البدائل، وصنع المخارج لاختراق الحالة الراهنة.
























