نوى - مرح الواديّة
مع كلّ يوٍم يمر، يضيق الخناق أكثر حول الفلسطينيّين، من النّاحية الاقتصاديّة، في إطار المناسبات الاجتماعيّة التي تشمل الأفراح منها والأحزان. ثمّة عادات وتقاليد متوارثة من الأجيال، لا يستطيعون التخلّي عنها أو تجاوزها، حتّى وإن شكّلت لهم مزيدًا من الأعباء، بحال قرّر أحد الأبناء الزواج – على سبيل المثال لا الحصر -، أو عندما تفقد العائلة أحد أفرادها فيضّطرّون إلى تحضير ولائم الغداء والعشاء أحيانًا، في كلا الحالتين.
في الحالة الأولى، ما أن تبدأ مراسم الزواج وإعداد التكاليف، إلا ويجهد ذوي العريس أنفسهم بأمور لن توقف إتمام الزواج عليها لو لم تنفّذ، مثلًا: تقام الليالي في بيت العريس قبل موعد الزفاف بيوم أو اثنين، يتم فيها تقديم المأكولات الشعبيّة، والحنّة لمن أرادوا أن يحنّوا أياديهم، أو النقش خاصّة للفتيات، ليس هذا فحسب، بل إن أصنافًا معيّنة من الطعام يتم طهوها خصيصًا للحضور، مثل "السماقيّة" عند الغزّيين و"الكشك" عند أهل القرى بالضفّة الفلسطينيّة وغيرهم. في الصباح وفي منزل العريس يشرع ذويه في ذبح الولائم وتحضير الغداء؛ أو يدعون الناس للذهاب إلى صالة الأفراح.
كذلك في الحالة الثانية أي إذا توفى أحد الأشخاص، تقوم العائلات الميسورة الحال في يوم "الميتم" بذبح العجول أو الخرفان لتقديمها للنّاس مع الأرز، ومن لا يقدر على ذلك، يستطيع تقديم الطعام مطهوًا بالدجاج بدلًا من اللحوم، إلى جانب الأرز وهو الوجبة الأساسيّة بأشكال وألوان متعدّدة وتكاد تخلو المنازل الفلسطينيّة، من تطبيق هذه الموروثات.
تعليقًا على الموضوع، يقول أحمد أبو عاصي أن تكاليف مستلزمات الأفراح والأتراح التقليديّة ترهق الأهالي بشكل مرعب، حتى وإن كانوا ميسوري الحال، لكنّه أيضًا يؤكّد أنه على الأقل وأهله لا يستطيعون التخلّي عنها أو تركها، ويشرح: "في البداية يدفع الشّاب مهر العروس، ويتم دعوة الأقارب والأصدقاء إلى منزل العروس، وتُقدم الحلوى "بقلاوة أو كنافة" إلى جانب المشروبات الغازية والقهوة السادة. وهذه هي أول خطوة من خطوات الزواج الرسمية والمعلنة أمام الملأ." وبعد عقد الزواج في المحكمة الشرعيّة تأتي مرحلة تسمّى "الصمدة" وهو حفل خطوبة يدعى فيه أقرباء العروسين، ويتم فيه إعلان الخطوبة، وتقديم الشبكة، وتوزع فيه الحلويات.
ويتخلّل فترة الخطوبة التي عادًة ما تستغرق عدّة أشهر، يتم الاتفاق على موعد الزفاف، الذي يحدّده الطرفان معًا. حيث يجهز العريس نفسه؛ فيجهز بيت الزوجية، ويحجز صالة الفرح ويطبع الدعوات، ويوزعها. وتسمى ليلة الزفاف بـ "ليلة الحناء"، سواء للعريس أو العروس، فالعريس قبل ليلة الزفاف يكون قد دعا الأصدقاء إلى سهرة شبابية؛ وتدعو العروس صديقاتها وقريباتها لتوديعها وإقامة حفل صغير لها.
فيما تقول إم سامر زيديّة 60 عامًا، أن الأمور المذكورة أعلاه، إنّما هي بمثابة فريضة يجب أن تطبّق، حتى وإن كانت الأوضاع الماديّة ليست جيدة، يقوم أصحاب المناسبة بتدبير أنفسهم بأي حال من الأحوال وإتمامها، وتتابع: "من العادات الجميلة أن يأتي الناس إلى منزلنا يوم زفاف أبنائي وبناتي لتناول طعام الغداء، يتبادلون الضحكات والأحاديث والأغنيات والرقص أيضًا، بغضّ الظر عن التكاليف المؤذية بالفعل، إلا أنّني لن أقبل أن يقام زفاف ابني من دون أن أكرم النّاس وأقدّم لهم طعام الغداء وحتى العشاء بعد كل ليلة يأتون فيها إلينا لمشاركتنا الاحتفال".
وفي وقت العزاء، تشعر الحزن والألم عندما يأتي النّاس لتناول الطعام بهذه المناسبة بيد أنّها ترى أنها ضروريّة وعادة لا يمكن التخلّي عنها. أمّا عن التكاليف فتقول: "قبل مدّة من العرس نبدأ بتجميع المال وتخصيصه لطعام الغداء وزفّة العريس وتوزيع الحلوى، وهذا ما يكلّف نحو 1000 دولار أمريكي."
بينما تقول زهيّة حمدان أنّها تتمنّى زوال هذه العادات بسبب الطاقة الكبيرة التي توقعها على كاهل العائلات الفقيرة، ما يضطرهم الأمر إلى الاستدانة وهم مجبرين على ذلك، لافتة: "لو كان الأمر بيدي لمسحتها من سجل العادات والتقاليد، ولكن الخيار بأيادي أفراد العائلة حيث يتمسّكون بها وكأنّها فرض من فروض الله."
























