يحمل قرار المحكمة الدستورية، الصادر بتاريخ 28 آذار 2013، القاضي برد طعن النائب محمد دحلان فيما يتعلق بالقرار بقانون رقم 4 لسنة 2012 الخاص برفع الحصانة عنه لعدم الاختصاص، ثلاث دلالات هامة يمكن استقراؤها بغض النظر عن التداعيات السياسية للقرار أو الدخول في الاشكاليات التي أدت الى اتخاذ القرار بقانون.
تشير الدلالة الأولى إلى تخلي المحكمة الدستورية عن اختصاصها في الرقابة "على دستورية أي عمل غير دستوري"، سواء كان صادرا من السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية، عند قبولها الاعتراض المقدم من قبل النيابة العامة بأنها ليست صاحبة اختصاص. وهو ما يتنافى مع أحكام القانون الاساسي خاصة في المادة 103 منه التي تنص على أن اختصاص المحكمة النظر في دستورية القوانين واللوائح والنظم وغيرها.
كما أن قرار المحكمة الجديد يخالف "الاجتهاد الصائب" لما ذهبت اليه المحكمة ذاتها "المحكمة الدستورية" في قرارها عند نظرها في القضية رقم 1 لسنة 2006 الصادر بتاريخ 17/ 12/ 2006. حيث أشارت في معرض ردها على طعون الخصوم، بعدم اختصاصها في النظر بالقضية المعروضة عليها آن ذاك، الى "أن الطعن في دستورية أمور غير القوانين واللوائح والنظم انما يمتد ليشمل كافة الاجراءات والأعمال الغير دستورية" مستندة في ذلك الى احكام المادة 103 من القانون الاساسي الفلسطيني، وعدم الاقتصار على احكام المادة 24 فقط من قانون المحكمة الدستورية لسنة 2006.
أما الدلالة الثانية لقرار المحكمة الدستورية هي: انعدام القرار الرئاسي "القرار بقانون" المذكور وكأنه لم يكن عند اعتبارها أن القرار بقانون هو قرار اداري ولا يرقى الى قانون، حيث أن من اسس سلامة القرار الاداري أن يكون صادرا عن جهة الاختصاص وإتباع الاجراءات السليمة في اتخاذ القرار ونفاذ الغاية منه. وهي شروط لم تتوفر لهذا القرار؛ فصاحب الاختصاص الأصيل في رفع الحصانة عن أي النائب هو المجلس التشريعي وفقا لأحكام المادة 53 من القانون الاساسي، وأحكام الفصل الثالث (المواد 21 الى 28) من الباب الثاني لقانون واجبات وحقوق أعضاء المجلس التشريعي رقم (10) لسنة 2004، وبالتالي تصبح الاجراءات المتبعة تلقائيا غير صحيحة. أما بخصوص نفاذ الغاية المتوخاة من القرار الرئاسي برفع الحصانة لم تنفذ باحالة النائب دحلان الى المحكمة؛ حيث اعلن النائب العام السابق أكثر من ذي مرة أنه لم يرد اليه أي شكوى ولم تفتح قضية تحقيقيه في النيابة العامة بحقه. فيما لم تعلن هيئة مكافحة الفساد فتح ملف يتعلق بقضايا فساد بحق النائب دحلان.
إن الاخطر في قرار المحكمة كان في الدلالة الثالثة التي توحي أن جميع المستشارين الذين صاغوا القرار بقانون المتعلق بسحب الحصانة أو ساهموا به، سواء كانوا من مكتب الرئيس أو خارجه، لا يميزون ما بين طبيعة القرار الاداري وما بين التشريع، حيث رأت المحكمة في قرارها "أن المُتخذ من قبل الرئيس لا يرقى إلى كونه قانوناً أو نظاماً، حتى تبسط المحكمة الدستورية رقابتها عليه"، وان مجرد عنونته بعبارة قرار بقانون "لا يغير من الأمر شيئا ولا يضفي على القرار بقانون محل الطعن صفة قرار بقانون". وشرح القضاة "أن ما يميز القانون، أو ما هو في حكمه كالقرار بقانون، إذا ما تضمن قواعد عامة مجردة توجه للكافة وهذه القواعد لا تقتصر على شخص بعينه".
ما جاء من شرح في متن قرار المحكمة الدستورية هو درس يتعلمه طلبة السنة الأولى في كليات الحقوق للتعريف بالقاعدة القانونية. مما يشير الى ضعف شديد في القدرات العلمية والقانونية لكل من ساهم في صياغة القرار بقانون المذكور، وقد يذهب البعض للقول إنهم غير مؤهلين لاستلام مناصب هامة في الحياة العامة لضعفهم في فهمهم للقواعد العامة للقانون، والتي هي بديهية لكل من له علاقة بالقانون.
هذا الأمر يستوجب على اساتذة القانون الدستوري في الجامعات الفلسطينية للتعقيب على قرارات المحكمة الدستورية ليس فقط لأهمية قراراتها في تعزيز سيادة القانون وحماية المواطنين من تعسف السلطات، بل أيضا لاعتبارها حارسة الدستور من جهة، ولطبيعة قراراتها المنشأة للقواعد الدستورية والناظمه لها.
إن عدم اعمال العقل وعدم ابداء الآراء الفقهية للقانونيين سواء كانوا مؤيدين لقرار المحكمة الدستورية أو معارضين له مستنديا للحجج القانونية والفقهية في طرحهم لاغناء الثقافة القانونية في البلاد باعتبارها اساسا لممارسة الحكم، وتوفر مادة غنية لصناع القرار عند بحثهم للقضايا المعروضة عليهم. كما انها تشعرهم بوجود رقابة شعبية تحمل زادا نخبويا "لمحاكمة" افعالهم وقراراتهم. اضافة الى توفر آراء فقهية للقضاة قد تفيدهم في عملهم القضائي.
























