تحمل التجربة الميدانية والعملية في حماية المستهلك كثيرا من المؤشرات التي يجب الاستفادة منها في واقع العقوبات ضد كل ما يمس حقوقه سواء الغبن والغش والتغول في الأسعار "رفعها بشكل يفوق قدرة المستهلك الشرائية والوضع الاقتصادي" والأغذية الفاسدة وعدم اعتماد معايير الجودة، والاستفادة لا تقتصر على تكرار الحديث والتعقيب والحوار حول هذه الخروقات وكيفية درء المخاطر عن المستهلك والتاجر والمزود، رغم أن كل مكون من هذه المكونات له قانون ينظم شؤونه وله قوة النفاذ عكس المستهلك نفسه بالمقارنة. النقاش هذه الأيام يدور حول الرؤى والآليات لإجراء نقلة نوعية حول البعد القانوني لحماية المستهلك وتفعيل دور الشركاء كافة في هذا الملف بالكامل، على قاعدة توازن السوق وتحفيز وعي المستهلك الذي يجب الا يكون شكّاء، بل يجب أن يكون مبلغاً عن أي ضرر أصابه أو عن أية شبهة فساد قد تطال آخرين في الأغذية أو الخدمات، ويتطلب الأمر عملاً جاداً لتطوير عمل جمعية حماية المستهلك بصورة تكون عنواناً وأداة قوية قادرة على المخاصمة والتحكيم وتحصيل الحقوق والاستناد للبعد القانوني الذي يسعفها في هذا المجال. واضح أن هناك قصوراً في بعض القوانين أو غيابها والتي تساعد على تفعيل حماية المستهلك سواء قانون المنافسة ومنع الاحتكار، وعدم تفعيل العمل بقوانين لها ابعاد في حماية المستهلك من جوانب الاختصاص في القطاع الذي تعالجه تلك القوانين وتقاطعها مع حماية المستهلك من حيث العقوبات وتنوع الأدوار. ويتطلب البعد القانوني، وهذا متفهم لدى الشركاء كافة، إجراءات فاعلة تضع حداً للتجاوزات التي تطال المستهلك سواء من حيث الضبط والإتلاف والتحرز وقرار إغلاق أية منشأة مخالفة أو تمس بصحة وسلامة المستهلك، ووقف إنتاج أو تداول أي صنف يسبب ضرراً واضحاً جلياً على صحة المستهلك، وهذا يتوج في مسألة جوهرية وهي اعلام الجمهور عن هذه السلعة وعن اسمها في الصحف لتشكل رادعاً حقيقياً لكي لا تتكرر. وفي زمن تحول الكون إلى قرية صغيرة فإن الحسم من قبل جهات الاختصاص القانونية سيقود إلى وأد الشائعات من جهة وإيجاد مناخ من الثقة والشعور بالأمان " ليس المطلق" ولا يجعل هذه القضايا مادة للتعميم والمس بسمعة قطاع بأكمله ويأتي الإعلام من باب التحديد أولاً ومن باب ان يكون هناك ثناء على الملتزم والذي يحسن صنعاً. وفي خضم هذا التمرين القانوني، يبرز دور ممارسة الصلاحيات الممنوحة للمسؤولين بممارستها، إذ لا يجوز مثلا رفع سعر سلعة إستراتيجية مثل الإسمنت دون أن تمارس اية جهة صلاحياتها لوقف هذا الأمر أو التدقيق به أو معرفة تفاصيله، وإيجاد البدائل الخلاقة، وقضايا من عيار الالتزام بالحد الأدنى لسعر بوليصة التأمين على المركبات وتأمين العمال دون أن يكون ذلك حساساً لحقوق المستهلك ويفكر فقط في مصلحة الشركات. وفي خضم هذا النقاش يجب ان يكون واضحاً أن حضوراً قوياً لمسألة دعم وتشجيع المنتجات الفلسطينية ذات الجودة العالية والسعر المنافس، وحاضر ايضا مسائل من نوع مكافحة وتجريم منتجات المستوطنات وخدماتها ومكملات إنتاجها والاتجار بها. يفخر المرء ان تصل جمعية حماية المستهلك مرحلة تمثيلها في هذا النقاش القانوني عبر فريق قانونيين مختصين ينافحون عنها ويضعون بصماتها في هذا الحراك القانوني، وهذه مرحلة مهمة جدا أن تجد الجمعية التفافا حولها تطوعيا بوصلته الانتماء والحرص والمهنية العالية ليكونوا صوت المستهلك وحماته، بعد نقاش موسع مع الجمعية وتنسيق. اليوم بتنا نثق ان حماية المستهلك ليست عنوانا بلا مضمون وبلا سند قانوني قوي، بل هي اليوم فريق عمل متكامل، وهي مجموعة من المواصفات والتعليمات الفنية الالزامية، وهي نيابة الجرائم الاقتصادية الحاضرة بقوة، والقضاء الذي سجل في النظر في بعض القضايا استناداً لقانون حماية المستهلك رقم 21 لعام 2005، ومفتشين يحملون صفة الضابطة القضائية لتنظيم وضبط السوق، ولا ندعي أن الوضع وردي ولكن هناك نقلة نوعية يجب أن يشار اليها. ويتوازى مع هذا كله تفعيل دور جمعية حماية المستهلك في كل المحافظات لتكون عنواناً حاضراً في إجراءات الحماية، ويجب أن تكون هناك إجراءات قانونية تساهم في اخراج الجمعيات من دائرة التعامل معها وكأنها جمعيات خيرية أو مؤسسات مجتمع مدني متخصصة بالنوع الاجتماعي أو غيرها، بل هي جمعيات حضورها ودورها مسنود بالقانون، وبالتالي يجب ان تكون هناك خصوصية واضحة في التعامل معها من منطلق دورها الحمائي، وهي صمام الامان لتوازن السوق الفلسطيني، وتنظيمه، وتوعية وتثقيف المستهلك الذي هو كل الشعب الفلسطيني.























