شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 10 اعسطس 2026م18:57 بتوقيت القدس

أميركا والموقف من الحرب البرية في سورية

19 فبراير 2016 - 20:03
محمد ياغي
شبكة نوى، فلسطينيات:

قبل إلقاء روسيا بثقلها العسكري الى جانب النظام السوري، كان موقف واشنطن المعلن من التدخل البري ضد داعش قائما على أربعة عناصر: 
أولاً: لن نكرر تجربة العراق بإرسال قواتنا الى مناطق نزاع لا يريدنا فيها أطراف الصراع.
ثانياً: لن نتماهى مع إستراتيجية التنظيمات الإرهابية التي تسعى لِجرنا لإرسال قوات برية لمحاربتها.
ثالثاً: سننتصر على داعش من خلال حملات جوية قد تمتد لسنوات وسنعمل خلالها على دعم الجماعات المعتدلة الراغبة والمستعدة لمحاربة داعش.
رابعاً: سندعم أي تحالف عربي ـ سني يريد إرسال جيوشه لمحاربة داعش ونشجعهم على القيام بذلك.
كانت هذه محددات السياسة الأميركية تجاه داعش والتي كررها الرئيس أوباما مراراً وتكراراً في خطبه السياسية السابقة. حالة الغضب الفرنسية بعد المذبحة التي إرتكبتها عناصر داعش في باريس في تشرين الثاني الماضي لم تتمكن من إقناع أوباما بتغير سياسته في هذا الملف، والموقف من التدخل البري لم يتغير أيضاً بعد حادثة إطلاق النار التي نفذها رجل وزوجته ينتميان لداعش في سان بيرناردينو في ولاية كاليفورنيا في كانون الأول الماضي. 
الحقيقة أن العملين الإرهابيين قد أحدثا أثراً عميقاً في الرأي العام الغربي عموماً مؤيداً لعمل عسكري واسع ضد داعش، وكان بإمكان الرئيس أوباما إستخدامهما لإرسال قوات برية الى سورية، لكنه لم يفعل. منطق أوباما، وهو محق في ذلك، داعش ومعها النصرة تريد أميركا في سورية لتحاربها كما فعلت في العراق. وجود قوات غربية على الأرض في سورية يجعل من خطاب داعش مقبولاً لدى الجماعات الإسلامية المسلحة التي ستتوحد لقتال الغرب (الكافر).
موقف أوباما عليه إجماع في الحزب الديمقراطى، وهو موقف لا يبتعد الجمهوريين كثيراً عنه. المتابع مثلاً لمواقف مرشحي الحزب الجمهوري في الإنتخابات الرئاسية من الوضع في سورية يلاحظ بأن الرأي السائد لدى العديد منهم هو أن مسئولية محاربة داعش تقع على عاتق الدول السُنية وهم سيقدمون الدعم لهذه الدول في حربها البرية.
رفض الدول العربية وتركيا بدايةً لإسال قوات برية لمحاربة داعش، وتصميمهم على أن الأولوية هي لمحاربة وإسقاط النظام السوري، ثم دخول الروس بثقللهم العسكري لم ينه فقط إحتمالية التدخل البري في سورية، ولكنه جعل حتى مسألة التدخل البري ضد داعش أشبه بالمهمة المستحيلة. لماذا؟
السبب يعود الى أن أي تدخل يتطلب التنسيق مع القوات الروسية التي ستعمل على إستغلال ذلك لتعزيز مواقع النظام السوري في هذه الحرب. بمعنى أية مناطق سيتم تحريرها من داعش ستعمل روسيا على تسليمها للنظام السوري، بينما سيرغب الغرب بأن تكون هذه المناطق تحت سيطرة حلفائه. النتيجة إستحالة التوافق بين الجانبين على هذه المسألة، وبالتالي إستحالة التنسيق بينهما. بغياب إمكانية التنسيق وبتعارض مصالح الطرفين على الأرض، يصبح التدخل البري مقدمة لحرب أوسع لا يريدها الغرب، ولا تريدها بالتأكيد روسيا. إذا أضفنا لذلك أن لا مصالح إستراتيجية للغرب في سورية تفرض عليهم إرسال قوات برية لحمايتها، فإن فرصة الحرب البرية تصبح معدومة.
الغرب يدرك بأن الإستعداد التركي-السعودي الأخير لإرسال قوات برية لمحاربة داعش يقصد به توريطه في حرب ضد روسيا وليس ضد داعش. 
تركيا مثلاً رفضت حتى وقت قريب المشاركة في قصف داعش، وحتى قواعدها العسكرية بقيت مغلقة لبعض الوقت في وجه الطائرات الغربية التي كانت تهاجم داعش. التغيير في الموقف التركي ليس سببه صحوة ضمير أو إكتشاف خطآ سياساتهم السابقة، ولكنهم يريدون غطاء غربيا بهدف دخول سورية لمحاربة الأكراد فيها ومنعهم من إغتنام فرصة تحقيق حكم ذاتي على حدود تركيا -بموافقة النظام السوري- وهو ما سيشجع الأكراد في الجانب المقابل من الحدود على الإستمرار في قتال الدولة التركية حتى تحقيق حكمهم الذاتي فيها. قصفهم لقوات سورية الديمقراطية وأغلبها من العناصر الكردية ومعها بعض الجماعات السورية اليسارية والمتواصل منذ أسبوع يكشف الهدف الحقيقي من مشروعهم للتدخل البري.  
السعودية من جانبها كانت تعطي الأولوية لإسقاط النظام السوري ورفضت حتى وقت قريب أية إستراتيجية لمحاربة داعش لا تتضمن إسقاط النظام السوري. التغيير في موقفها سببه حالة الإنكسار التي تتعرض لها الجماعات التي تدعمها -مثل جيش الإسلام أو التي تدعمها بالتعاون مع دول عربية أخرى وتركيا مثل أحرار الشام تحديداً في منطقة ريف حلب الشمالي- بفعل القصف الروسي الذي يوفر الغطاء لتقدم الجيش السوري في هذه المناطق. 
الغرب مدرك للأهداف التركية والسعودية وهو ليس على إستعداد لتوفير الغطاء العسكري أو حتى السياسي لهم لعدة أسباب أهمها:
أن القوات الكردية التي تستهدفها تركيا هي نفسها التي دعمها الغرب لمحاربة داعش بالتدريب والسلاح، وهي من ألحق أولى الهزائم بداعش عندما تصدت لهم في بلدة كوباني وهزمتهم فيها ولاحقتهم حتى تمكنت من تحرير جميع البلدات الكردية التي إستولت عليها داعش. ليس للغرب مصلحة في إضعاف هذه القوات التي تقوم فعلاً بمحاربة داعش والنصرة. 
يضاف لذلك أيضاً، أن ليس من بين الجماعات المسلحة التي ترغب السعودية بعمل بري من أجل دعمها حلفاء للولايات المتحدة أو للغرب عموماً. الغرب يعلم بأن أفكار جيش الإسلام وأحرار الشام والعديد من الفصائل المسلحة التي تتلقى دعما خارجيا- عربيا لا تبتعد كثيراً عن داعش. بمعنى آخر، الولايات المتحدة تعلم بأنه إذا سقط النظام السوري، فإنها ستضطر في مرحلة ما الى محاربة هذه الجماعات إذا ما أرادت تمكين جماعاتها من الحكم خصوصاً وأن هذه الجماعات ستكون عرضة لعمليات تصفية من قبل الجماعات المتطرفة التي ستعمل على الإستحواذ على السلطة. 
في هذا السياق قد يكون من المفيد التنوية بأن الحديث عن تدخل عربي-إسلامي في سورية يقصد به حقيقة تدخل تركي بغطاء عربي-إسلامي. السعودية مشغولة في حربها في اليمن ولا يوجد لديها ما يكفي من القوات لإرسالها للحرب في منطقة أخرى. مصر هي خارج المعادلة لأن موقفها ليس مع التدخل البري. ما تبقى من الدول العربية هي صغيرة الحجم ولا يوجد لديها قوات فعلية لإرسالها لحروب خارج حدودها. أية دول إسلامية راغبة في مجاملة السعودية ستكتفي بإرسال قوات رمزية. 
قوات برية عمودها الفقري تركيا يعني في النهاية أن تأثير الولايات المتحدة على نتائج التدخل البري سيكون في حدوده الدنيا. أردوغان لم يتمكن من كسب ثقة الغرب لأسباب منها: الحدود المتفتوحه لداعش حتى وقت قريب، إبتزازه للغرب في مسآلة اللاجئين السوريين، ومحاربته للأكراد٫ وهذا لا يجعله حليفا مأمون الجانب. 
مصالح الولايات المتحدة إذاً لا تسمح لها بالتماهي مع ما تريدة تركيا والسعودية. وإذا أضفنا لذلك مخاطر المواجهة مع الروس، وإنعدام الثقة بتركيا، فإن الحديث عن تدخل بري في سورية مدعوم من الولايات المتحدة يصبح أمراً بعيد الإحتمال. وهو ما يؤكدة عدم وجود أية تصريحات جدية من البيت الأبيض داعمة للمشروع السعودي-التركي للتدخل البري.

 

كاريكاتـــــير