شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 11 اعسطس 2026م09:08 بتوقيت القدس

كونسبسيون توماس: الرحيل النبيل

10 فبراير 2016 - 00:58
غازي الذيبة
شبكة نوى، فلسطينيات:

رحلت كونسبسيون توماس، المهاجرة الإسبانية من أمام البيت الأبيض. ولن يرى المارة في العاصمة الأميركية واشنطن دي سي خيمتها الصغيرة المنصوبة هناك، وهي تحمل لافتات مؤيدة لحق الفلسطينيين في الحياة والحرية، وأن يكون لهم وطن كبقية البشر، لا محتجزات تنفي حقوقهم وإنسانيتهم.

توفيت هذه السيدة المناضلة، وهي تقبض على الجمر. ستة وثلاثون عاما، بقيت صامدة في وجه الرفض لما تحمله لافتاتها المؤيدة لحقوق الفلسطينيين. ستة وثلاثون عاما، كانت كفيلة بأن تجعل من هذه المرأة، قصة مستمرة في صحافة العالم، لكنها لم تعلن عن نفسها إلا وفق ما هو منظور في نطاق فهمها للنضال. لم تتبجح بإنسانيتها، حفظت درس النبل ببراعة، وقدمته بهدوء صارم، ومضت في طريقها دون أن تلتفت لعدسات المصورين، ولا لفضول الصحفيين المريض بالأخبار الطريفة.

توسدت قضية، كانت تتخلل أنفاسها، قضية تذكرها بعنق الزجاجة الذي قادها إلى هذا المكان من بلدتها الإسبانية المحاصرة بقمع الطاغية فرانكو الأسود، وهو يمنع الهواء والحرية عن شعبها، وحين رأت مثيلا له في فلسطين، توقفت مليا، لتنحت صخرتها السيزيفية، وتصمد ببراعة متناهية أمام رهاب اللوبي المتصهين في أميركا.

بقيت كونسبسيون ذات الوجه المتغضن، بملامحه الطفلية، تنادي من خيمتها بحق الفلسطينيين في الوجود. لم تدقق في معنى كلمة وجود كثيرا، مدركة أنها تعني حقهم في كل شيء.

حقهم في أن يكون لهم وطن كامل لا نقصان فيه، حقهم في حياة لا يتعرضون فيها للخوف أو الموت، حقهم في زراعة أشجار حول بيوتهم، في الذهاب إلى المدارس، في الصراخ على رؤوس الجبال كما ينبغي لهم أن يصرخوا مثل البشر، في تربية أبنائهم كما يربون حقولهم الزراعية، في العبور إلى بلادهم بدون تبعات التدقيق الاحتلالي، في اختيار حياة تليق بكينونتهم.

تفتح قصة كونسبسيون، الفضاء لنا، لنتعرف على تلك القيم التي تُغيّب عن عالمنا، معاني التضامن والتفاعل مع قضايانا التي نرقد على بيضة الخوف من التفاعل معها.

ولنتخيل ثلاثة عقود، نقضيها من أعمارنا ونحن ننبه إلى قضية نؤمن بعدالتها كالقضية الفلسطينية. من منا يمكنه أن يفعلها؟ كونسبسيون، فعلتها.

رحلت هذه السيدة عن عالمنا، دون أن نرى ما يشبهها حتى من الفلسطينيين المقيمين في الولايات المتحدة. رحلت، لتترك لنا رائحة طيبة من ذكرها الكريم.

بقيت امرأة لا تشبه إلا نفسها، تحمل في داخلها، امتنانا خالصا للحقيقة، للحرية، وهي التي تحمل في حنايا روحها ألم التهجير وقسوته، كانت ترى الوجع في عيون الفلسطينيين الذين تهدم بيوتهم ويهجرون عنها.

عادة، من يمتلكون هذا الأثر النادر من الجمال الإنساني، هم قلة، ولا عتب على بقية البشر من أن يقصروا في امتلاكه، ذاك أن الرقي يحتاج إلى خزان هائل من الضوء الداخلي النقي، وطاقة لا تحد من الإيمان.

كونسبسيون، امتلكت في لحظة الصمت المدوي حول الفلسطينيين، هذا الضوء وهذه الطاقة. توحدت فيهما، ولم ترتبك برغم ما كانت تواجهه من رفض لنبلها.

هذه الإسبانية المهاجرة إلى الولايات المتحدة، لم ترحل عن خيمتها أمام البيت الأبيض، لتدفن في قبر هناك في ضواحي واشنطن، لا، رحلت لتمكن أرواحنا من أن تتفقد مساحة الضوء التي يمكن للحياة أن تتيحها لنا، كي نتعلم فن النبل وفقه الحق.

كاريكاتـــــير