شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 11 اعسطس 2026م10:04 بتوقيت القدس

عسل الملكات

09 فبراير 2016 - 15:18
الدكتور حسن حميد
شبكة نوى، فلسطينيات:

أتابع جادا، وبدراية شديدة تحولات الكتابة الإبداعية وتجلياتها لدى أصحاب التجارب الأدبية الذين نهجوا نهجا أدبيا منذ مطالع حياتهم ومشوا فيها أشواطا طوالا ،ثم تحولوا إلى نهج آخر طلبا للحضور،والمضايفة،والغنى المنشود،كأن يكتب أديب الرواية طوال حياته،ثم يتحول فجأة إلى كتابة الشعر،فيعطي من ذوب روحه شعرا بديعا يساوي ما أنجزه في مجال الرواية وأزيد، أو كأن يكتب شاعر دواوين شعرية عدة ثم يتحول فجأة إلى عالم الرواية فيبدع فيها ما لم يبدعه في مجال القصيدة،وكأن كتابة الرواية عند الكاتب الأول ، وكتابة الشعر عند الكاتب الثاني لم يكونا سوى التمهيد الحقيقي للكتابة الجديدة المتفردة المفرد اللتين تحولا إليها .

صحيح أن أدباء كبارا،هم من أصحاب التجارب الخضيلة كالغابات ،كتبوا معظم الأجناس الأدبية في وقت واحد،وبصفاء أدبي رائق كالينابيع،حتى ما كان بقدرة النقاد أن يفضّلوا جنسا أدبيا،يكتبونه على آخره..لأن السوية الإبداعية كانت عالية دائما ،ولأن الحرص الإبداعي كان متوافراً في كل ما كتب،ومن هؤلاء الكبار أستاذنا جبرا إبراهيم جبرا الذي كتب الرواية مناددة بالقصيدة،والقصة القصيرة مطاولة مع الشعر،والترجمة موازاة مع النقد الأدبي،والمقالة تساوقا مع النقد الموجه إلى الفنون التشكيلية،لا بل كان حديثه لا يقل أهمية ودفئاً عن كتاباته جميعا،

ومن هؤلاء الأدباء الكبار أيضا أستاذنا الدكتور عبد السلام العجيلي الذي كان مبدعا لا يلحق به إلا أصحاب الحظوة الأدبية في مجالات الرواية ،والشعر،والقصة القصيرة،وأدب الرحلات ، والمقالة ،أما أحاديثه فكانت أحاديث العجب،والجمال،والثقافة البهّارة التي تصطفي كل حلال.

أقول ذلك،وبين يدي رواية لشاعر أوقف حياته كلها،أو تكاد،على كتابة الشعر،فأنجز ما يزيد على عشرة دواوين من الشعر الذي مشى في دروبنا الوطنية تأريخا،وتسجيلا، وتفنيدا، وتصويرا،ومساوقة،وعطاءً،لكنه،وعبر تحول أدبي نحو عالم الرواية،ينجز ما فاق أهمية شعره،وحضوره الإبداعي،وصولاته الثقافية في المشهد الثقافي منذ ثلاثة عقود وأزيد،هذا الشاعر هو ماجد أبوغوش الذي آخى الشعر داخل السجون الإسرائيلية وخارجها،والذي جعل من قصائده مقياسا لنبض الشارع الفلسطيني،ومدونةً لما تهفو إليه النفوس والقلوب والأرواح من جمال،ومفارقات،وجرأة،وحساسية شعرية،واستبطان للأزمنة والواقع،وجَلو للمواجع والآلام،ووقوف على التشوفات والأحلام.

لقد أغضبت قصائده العدو الصهيوني،فنال العقاب تلو العقاب،وأوذي في جسده،وماله، وأسرته،وقيّدت حريته،وحددت حركته،وأُغلقت الجهات عليه،فاعتل الجسد، ولم يعتل الشعر، وتحيّده الأصدقاء فكان الداعي للألفة والاجتماع،وانفض عنه الخلان مخافة من الأذى الصهيوني ،لكنه ظل ذاكرا لهم،مصورا لوجوههم الجميلة،وراسما لخرائط نبلهم عبر قصائد محتشدة بالنداءات،حتى لم يبق له صديق سوى الشعر الذي يجدله قصائد تأوي إليها المفارقات والثنائيات الجامعة،ما بين النداوة والعطش،والجمال والقبح،والرضا والسخط،والحياة والموت،والجهر والصمت،والحضور والغياب،والطيبة والوغدنة،والوحشية والمؤانسة،والغيبوبة والصحو .

فجأة،يتحول ماجد أبوغوش عن الشعر،صديق العذاب والهجر واللوعة،والأسى والأحلام والأسئلة،ورفيق الأزمنة الفاقعة في صفرتها وضحالتها ونحولتها أيضا،يتحول إلى الرواية، فيكتب رواية عنوانها (عسل الملكات)،تدور حول ما دار شعره عليه من حب للمكان، والأرض،والبساتين،والينابيع،والأشجار،والدروب،والدور،والبيارات،والطيور،والصباحات، والندى،والأحاديث،والموسيقا،والمساءات،واللقاءات،والرجاءات،والانتظار،والغياب،والفقد، والفداء،والتضحيات،والحب الذي يوقد نيرانه خفية في الحفر،لكن شبوب النار يفضحه، فتصير الحياة لوباناً على حبيب أخذه السجن،أو حبيبة انتهك جمالها وأبيد في غفلة.

يكتب ماجد أبوغوش رواية (عسل الملكات) عن المكان الفلسطيني الندّاه،عن القدس،وحيفا،ويافا،ورام الله،والناصرة،والسجون،والمقابر،وغيابات الفلسطيني جهارا في وضح النهار،وموته غيلة وهو في عز الشباب،وسلّ الجمال من أجساد الصبايا بالإماتة، وكيّ النفوس بالحرمان،وذلك عبر لغة لاذعة موجعة،وأسلوب أدبي صاف كالضوء،وحميم كالبهجة،ووادع كالظلال،رواية تجول مشاهدها في عالم من الانتظار المر ل (غزالة)و (تمارا) ،وأوبة الحياة للقدس،وبيت لحم،وحيفا،والناصرة،وتشقق جدر السجون عن العشاق السمر،وعودة الطيور إلى الأعشاش،والنداوة إلى العشب،ورحيل روائح القهوة في الشوارع محمولة على كف الهواء،كما يتحدث عن الشام وأهلها،وأشواق أهل فلسطين إلى الشام بوصفها المرآة التي تُبدي مباهج الحياة،وتطاول الروح والأعناق نحو الأحلام المشتهاة.

موجع دفء هذه الرواية،وقاتلة هي انتظارات شخوصها،ومدماة هي حواراتها،وآهات الأرواح فيها أجراس لها صلصة راعبة،والهمهمات والتمتمات فيها لا تصير كلاما لأن الأفواه خيطت،والسياط تعبت من شقشقة الاجساد.

(عسل الملكات)رواية أشبه بعش دبابير يسكن شعر صبية غاية في اللطف،غاية في الجمال،إنها رواية العيون الرانية،والقلوب التي تدق لزمن قادم لا محالة !

كاريكاتـــــير