في يوم المرأة العالمي تحول الغضب إلى عمل ملموس لحظة صدور قرار لجنة المرأة في الأمم المتحدة، وهو قرار ثوري غير مسبوق صدر في ختام دورة اجتماعات لجنة المرأة السابعة والخمسين. لقد وجه القرار أصابع الاتهام إلى دولة الاحتلال وحمَّلها المسؤولية عن إعاقة تقدم المرأة الفلسطينية الكابح لالتحاقها بركب التنمية، معتبراً أن الاحتلال "يشكل العقبة الرئيسية التي تحول بين النساء الفلسطينيات وتقدمهن واعتمادهن على النفس"، مطالباً اسرائيل "السلطة القائمة بالاحتلال" بالامتثال لأحكام ومبادئ وصكوك القانون الدولي الإنساني ذات الصلة.
في إطار اللجنة المشكلة من خمس وأربعين دولة تمثِّل مختلف القارات، تحفظت على القرار عشر دول؛ منها ست دول كانت قد صوتت لصالح قبول فلسطين دولة غير عضو بصفة مراقب، بينما انسجمت الدول الأربع الأخرى مع امتناعها السابق في تشرين الثاني الماضي.
أهمية القرار تكمن أيضاً في توقيت إصداره، ليس في أعقاب المكانة الجديدة لفلسطين فقط، بل لأن صدوره جاء في ظل اعتقاد بانزياح الاهتمام الدولي عن فلسطين، لتستأثر الدول العربية التي تجري في نطاقها تحولات، هيكلية وسياسية واجتماعية، بالاهتمام. القرار يؤكد على استمرار مكانة فلسطين في بؤرة الاهتمام الدولي، إضافة إلى أن القرار يعبر عن نفاد صبر العالم من الاحتلال، ومن تنكره للشرعية الدولية وشرعة حقوق الإنسان.
وبالنتيجة، ما زالت المرأة الفلسطينية تحظى باهتمام المنظمة الدولية ولجانها المنبثقة، على الرغم من اختلاط الأوراق وبعثرة الأولويات. لقد انصب التركيز الدولي مؤخراً على العنف الاجتماعي ضد المرأة، وأثار مشاعره وغضبه حوادث الاغتصاب الجماعي حتى الموت في الهند وباكستان. واستقطب اهتمام العالم فظائع الاغتصاب الانتقامي والانتهاكات الفظة لكرامة المرأة في إطار الصراع الدامي الجاري في سورية وقبلها في ليبيا، كما يستفز مشاعره التحرش المنظم ضد المرأة المصرية والتونسية وانتهاك كرامتها والتراجع عن مكتسباتها.
بداية، لا بد من ملاحظة أن القرار الجديد يترجم القرار 1325 الخاص بأمن النساء في مختلف بلاد الصراع المسلح. بل يملأ الفجوة التي انتقصت وسُجلت كأحد النواقص التي وجهت للقرار، وقد طولب الأمين العام للأمم المتحدة بتلافي نواقصه، كما نوقشت الانتقادات مع "روبرت سيري" منسق الأمم المتحدة الخاص بعملية السلام في الأراضي الفلسطينية، وطولب بإصدار قرار جديد يعطي الأبعاد الخاصة بالمرأة الفلسطينية وتظهير خصوصيتها تحت الاحتلال..حيث لم يلحظ القرار 1325 خصوصية حالة المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال، وعوّم حالتها مع حالات النساء في بلدان الصراع المسلح، حيث تجري صراعات أهلية، على خلفية طائفية ومذهبية وعرقية أو بسبب الخلافات الداخلية.
في أعقاب القرار الثوري الجديد، السؤال يرتد على المرأة الفلسطينية بماذا هي فاعلة بالقرار الأممي الجديد، وكيف تعمل به بالتجاور مع القرار 1325، من أجل اشتقاق الآليات المناسبة لاستخدامهما معاً من قبل منظمات المرأة الفلسطينية. فالقرار لم يتوقف عند حدود الموقف السياسي، بل ذهب باتجاهين: أحدهما نحو العالم بمتطلبات واستحقاقات توفير الحماية للمرأة الفلسطينية وتخفيف حدّة الأزمة الإنسانية ومدّ يد العون والمساعدة لها، وهي الأمور التي لا بد من التعامل معها وبث الحيوية في سطورها حتى لا تتجمد وتصبح جسماً جامداً دون أرجل تنطلق بها نحو العالم.
والاتجاه الثاني المشروط برسم حيوية وديناميكية المرأة الفلسطينية: بالتوجه لاستثمار المناخ الإيجابي الذي ولّده القرار على صعيد الرأي العام النسائي الدولي، أو المفترض أن يكون قد فعله، وإن لم يفعل فالاستحقاق واجبٌ بمخاطبة المرأة حول العالم وخاصة المؤيدة للقرار، للرقابة على تطبيق القرار ومطالبة دولة الاحتلال الالتزام بالقانون الدولي، والكف عن إعاقة تقدم المرأة الفلسطينية بالانسحاب من احتلالها ومحاسبتها على جرائمها وعدم التزامها.
في اليوم الدولي للمرأة، مضت مؤسسات الأمم المتحدة بالحملة المعنونة "متحدون من أجل إنهاء العنف ضد المرأة"، وعلينا كفلسطينيات الانضواء في إطار الحملة المنطلقة من الحق الإنساني في حياة خالية من العنف، ولا بد لنا عدم التأخر عن الركب، حيث مصلحتنا في ركوب قطارها أكثر من غيرنا، للتخلص أولاً من عنف الاحتلال والعنف المجتمعي، ولنوفر للأجيال القادمة الحرية والأمن والسلام الذي يستحقونه.
* جريدة الايام
























