يواجه عهد الملك سلمان بن عبد العزيز تحديات خطرة ومعقدة، لم يسبق لأي من ملوك السعودية أن واجهها. أبرزها اتساع فجوة الخلافات مع الولايات المتحدة، والتغير المتسارع في استراتيجيتها في المنطقة. فاستراتيجية النفط مقابل الأمن، التي وضعها الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز، وتضمنت حماية أميركية كاملة ومباشرة للنظام السعودي، تشهد تعديلات أساسية. الرئيس باراك أوباما أعلن عن استعداد بلاده للدفاع عن حلفائها في حال تعرضهم لعدوان خارجي. لكنه اشترط أن يتحملوا، بأنفسهم، مسؤولية سياساتهم الخاصة، الداخلية والخارجية. وهذا يعني أن الولايات المتحدة قد لا تتدخل لحماية النظام السعودي في حال تعرضه للتهديد، نتيجة سياسات غير منسقة مع واشنطن. وهي استراتيجية ستلتزم بها، على الأغلب، الإدارة القادمة، وربما تختلف طرق وتكتيكات تنفيذها.
شرطان ينبغي توفرهما في أي دولة تريد أن تكون حليفةً للولايات المتحدة: التماهي مع المصالح الأميركية، والاشتراك معها في القيم. أول الشرطين آخذ في التراجع، فيما الثاني لا ينطبق على السعودية بأي شكل. العلاقة بين البلدين بنيت على الشراكة في المصالح ومصادر التهديد، وهذه باتت متعارضة بشكل لافت في مواقع كثيرة. ولأن السعودية هي الطرف الأضعف في هذا «التحالف»، تخشى إهمالها وتركها لمصيرها في إطار تسوية ما، خصوصا أن الاتفاق النووي يسمح للأميركيين بتقليص اعتمادهم عليها، ويزيد من خياراتهم في المنطقة.
واشنطن لم تعد ترى في النظام السعودي قوة استقرار في الشرق الأوسط، قادرة على احتواء الأزمات وحلها. بل تراها منغمسة في تأجيج صراعات، بدأت تأخذ منحى قد يخرجها عن السيطرة. ونظامها يعاني أزمة خلافة وانقسامات حادة، وسط تنامي قوة المنافسين والأخصام في الداخل وفي المحيط، وهو يعيش حالة خوف يصعب معها التنبؤ بما قد يقدم عليه، خصوصا أن الإدارة الأميركية لا تريد للفوضى في المنطقة أن تنزلق خارج إطار قدرتها على الإدارة.
ومع الصعود الجديد للسلفية الجهادية، وما تشكله من تحديات للغرب أحيانا، لا يملك النظام السعودي الكثير ليقدمه ليشكل ضمانةً وبديلاً قادراً على لجم الظاهرة التكفيرية. هذا فضلا عن فقدان الأميركي الثقة في قدرة السعودي على التأثير الجدي في حلفائه. معظم دول «مجلس التعاون الخليجي»، مثلاً، تنزع لانتهاج سياسات متمايزة عن السياسة السعودية، خصوصاً تجاه إيران.
كما أن الولايات المتحدة قطعت شوطاً بعيداً في مجال إنتاج الطاقة، ما يسهّل عليها إعادة النظر في علاقاتها مع السعودية إذا اقتضت المصلحة، حيث كان النفط أساس هذه العلاقات في غياب أي قيم مشتركة، بحسب دنيس روس، الموفد الأميركي السابق للسلام في الشرق الأوسط. كما تركز الإدارة الأميركية جهودها على التوجه إلى شرق آسيا (حيث العالم). وهي استدارة تعزز مخاوف السعوديين، من أن واشنطن على وشك خفض تصنيف أهمية حلفائها العرب، وربما تركهم أمام خيار وحيد لحماية أنظمتهم، هو التحالف مع إسرائيل.
الخلافات الأميركية ـ السعودية الجدية، بدأت مع «انحياز» الأميركيين إلى التغيير إبان «الربيع العربي»، والسماح بسقوط نظام مبارك خصوصا، غير عابئين بهواجس آل سعود والحلفاء العرب. وهو ما أثار قلق الرياض. من أن واشنطن قد تفعل الشيء نفسه إذا ما انفجر الشارع السعودي في وجه العائلة الحاكمة. القيادة السعودية لم تعد تملك مجالاً واسعاً للمناورة، وقدرتها على ممارسة النفوذ أصبحت محدودة، وسط أزمة اقتصادية متفاقمة تهدد بإثارة موجة اضطرابات سياسية واجتماعية في الداخل، بالتوازي مع التحديات التي يشكلها تنامي قوة ونفوذ «داعش» والمتطرفين، الذين يعتقدون أن النظام متراخٍ ولا يستخدم القوة والحزم الكافيين في مواجهة إيران والشيعة، «أبرز مصادر التهديد للمملكة».
الرياض المحتاجة إلى تطمينات واشنطن بشأن استمرار الدعم والحماية، تراقب بقلق تآكل سياسة احتواء إيران بعد الاتفاق النووي، وسياسة الانفتاح على طهران، ما يهدد بتقليص دور الرياض. والأخيرة ترى في تقنين دعم الجماعات المسلحة في سوريا، استكمالا للخروج الأميركي من العراق، الذي اعتبرته ضوءاً أخضر لتوسع طهران نفوذها. هذا مضافاً إلى عدم الانشغال الأميركي الجدي بالأزمة اليمنية، التي تترك آثاراً خطيرة على حركة السعودية وعلى مصداقيتها. وبرغم أن الحاجة الأميركية للرياض ما زالت قائمة في بعض القضايا والملفات، إلا أن العائلة الحاكمة لا تبدو واثقة من جدوى التعويل على «الحليف الأميركي» في دعم نظامها وخياراته، وهي غير قادرة على تأمين «حليف» آخر يرعى أمنها، وتدرك أنها بتبني سياسات لا تتماشى مع الخطوط العريضة لاستراتيجية واشنطن، ستصطدم أحيانا بالمصالح الأميركية. وأكثر ما تخشاه السعودية، وسط هذا الواقع، هو انهيار هيكل التحالف الذي تحاول بناءه وقيادته حالياً، بسبب الإرتجال والخلافات وأجواء عدم الثقة، وما يمكن أن ينجم عنه من انهيار كامل لسياستها الخارجية، وانتقال الاضطرابات الى جبهتها الداخلية.























