مرة أُخرى يعلن العاملون في الجامعات الإضراب الشامل، وحسب البيان الصادر عن اتحاد نقابات العاملين، من المتوقع أن يضرب العاملون حوالي 14 يوماً خلال هذا الشهر فقط، ومرة أُخرى تعود نفس المطالب أو نفس الحقوق لتشكل السبب أو الأسباب التي أوجبت الإضراب، وبالطبع هي نفس المطالب التي طالب بها العاملون في الإضراب السابق، وفي الإضراب الذي حدث قبل عدة سنوات، وربما في أول إضراب خاضه العاملون في الجامعات الفلسطينية، وحين الحديث عن خصوصية الجامعات الفلسطينية، فهناك العديد من الأطراف ذات العلاقة، أو التي لها مسؤولية بعمل الجامعات، بدءاً من الحكومة والوزارة المعنية، ومجلس التعليم العالي، ومؤسسات المجتمع المدني، والمجلس التشريعي، وبالطبع الأطر الخاصة التي ترسم سياسات الجامعات وتقر ميزانياتها وتتحمل مسؤولية مواصلة عملها وتقدمها، اي ما يعرف بمجالس أمناء الجامعات. وحين تعلن نقابات العاملين في الجامعات عن إضراب لمدة يوم أو يومين مثلا، كما حدث هذا الأسبوع، فإن هذا يعني ان حوالي 200 ألف طالب جامعي سوف ينقطعون عن الحياه الجامعية، من دراسة ومن أبحاث ونشاطات، هذا بالإضافة الى الآلاف من العاملين والموظفين والإداريين وما يتبع ذلك من مرافق وخدمات، وإذا تصاعد الإضراب وصولا لثلاثة أيام ومن ثم أربعة أيام وهكذا كما هو معلن خلال الأسابيع القادمة، فمن الممكن تصور حجم المشكلة والخسارة، ليس فقط على الطلبة والأساتذة والباحثين، بل تمتد الى البيئة الجغرافية الاقتصادية المحيطة من مواصلات ومرافق طعام وخدمات والاقتصاد المصغر المرتبط بعمل الجامعات، وبالإضافة الى الآثار المادية المباشرة والتي تقدر بملايين الشواكل يوميا، هناك الآثار المعنوية المرتبطة بالتعاون مع الجامعات والبرامج المشتركة والأبحاث والعلاقات، والإرباك في التخطيط والآثار النفسية على الطلبة والعاملين وما الى ذلك؟ والإضرابات أو الخطوات الاحتجاجية ليست بالجديدة في الجامعات الفلسطينية، وبغض النظر عن طبيعة وحجم المطالب، فإنها تتمحور في النهاية حول تحسين الظروف المعيشية للعاملين، أو بالأدق حول الأوضاع المالية للجامعات وانعكاسات ذلك على حقوق العاملين والتزامات الجامعات نحو ذلك، وهذه المطالب تدور في نفس الإطار الذي دارت فيه مطالب العاملين في كل الفترات التي شهدت تحركات للعاملين في الجامعات، وبالتالي فإن نوعية المطالب وأسبابها معروفة منذ سنوات، وليست وليدة هذه الفترة أو الشهور أو الأيام، أي أنه من الواضح ان هذه المطالب لم تلق التعامل الجدي من اجل توفير حلول جذرية لها؟ ومع الخسائر الهائلة التي يتسبب بها الإضراب، فإنني هنا لست بصدد تحميل المسؤولية لأحد، مع التأكيد على عدالة وأهمية المطالب التي تصب في عصب الحياه اليومية المعيشية للعاملين وأفراد عائلاتهم، ولكن السؤال الأهم هو لماذا تصل الأمور إلى حد الإضرابات وتعطيل العمل، وبدء عملية شد الحبل بين الأطراف، مع العلم انه معروف أن هذه المطالب مشروعة، وبأنه كان من المتوقع أن يصل الوضع الى ما وصل إليه، فلماذا لم توجد آلية للتنسيق والتشاور، وبالتالي استكشاف الإمكانيات ووضع التصورات وبهدوء وبعيدا عن التهدديات والبيانات والإعلام، وبالتالي الخسائر المتراكمة، ولماذا لا تتم المبادرة إلى تنفيذ الاتفاقيات أو حتى مناقشة المطالب أو حتى عقد الاجتماعات، بدون الوصول إلى هذا الوضع من إضرابات وتعليق للدراسة وشل عمل الجامعات. ومن المعروف ان الجامعات ليست جامعات حكومية، أي لا تتبع الحكومة أو وزارة التعليم العالي بشكل مباشر، أي أن رؤساء الجامعات ليسوا بالمسؤولين أمام الحكومة أو بالتحديد أمام وزير التربية والتعليم العالي، ولكن وحسب الأنظمة، فإن رؤساء الجامعات يتم تعيينهم من قبل رئيس أو مجلس الأمناء الذي يشرف على الجامعة، وبالتالي فهم مسؤولون أمامه، وبالتالي فإن مجالس الأمناء مسؤولة عن توفير كافة المصادر لتأمين العمل الطبيعي للجامعات، وان دور رؤساء أو إدارات الجامعات هو إدارة هذه المصادر بفعالية، وبشكل يلبي حاجات الطلبة وحقوق العاملين، والسير الطبيعي لعمل الجامعات، وكذلك العمل على تطوير الجامعات، وهذا الوضع هو الموجود في دول العالم التي تحوي جامعات مماثلة للجامعات الفلسطينية، أي جامعات يحكمها مجالس أمناء. ومع عدم إهمال أو التغاضي عن دور الحكومة أو وزارة التربية والتعليم العالي في التعاطي أو في المساهمة في حل أزمة الجامعات المتراكمة والمتفاقمة والتي قد تنفجر بشكل أسوأ في أي وقت، إلا أن مجالس الأمناء وإدارات الجامعات هي التي تتحمل المسؤولية الأولى في تأمين الالتزامات وتحقيق المطالب المنطقية والعادلة للعاملين، حيث من المتوقع ان يكون هناك ميزانية مع بداية كل عام، وبأن يكون هناك توقعات أو احتمالات أو خطط بديلة، وليس تحميل هذا الطرف أو ذاك، سواء أكان الحكومة أو الوزارة أو النقابة أو اتحاد النقابات أو الطلبة أو غيرهم. وبغض النظر عن وجهات نظر العديد من الأطراف، فالخسارة هي على الجميع، وبشكل تراكمي، وإذا تواصل وتصاعد الإضراب، فإنه سيكون من الصعب إعادة جدولة خطط الطالب والأستاذ والباحث والجامعة، وان تم ذلك فإنه سيكون على حساب الجودة والنوعية والسمعة والمنطق، وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق أو حلول وسط كما يتم في العادة، وتوقف الإضراب، فإن عدم التعاطي بجدية وبشكل تشاركي وهادئ، وبالتالي البحث عن حلول جذرية لمطالب العاملين في الجامعات، سوف يؤدي إلى عودة الإضرابات والاحتجاجات مرة أُخرى وربما بشكل أسوأ؟























