شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 11 اعسطس 2026م19:30 بتوقيت القدس

مأزق رجال مبارك

31 يناير 2016 - 20:09
مصطفى السعيد
شبكة نوى، فلسطينيات:

يبدو للوهلة الأولى أن رجال مبارك قد أمسكوا بزمام الأمور، واستعادوا الثقة فى قوتهم، وتمكنوا من طمس معالم ثورة 25 يناير، وشوهوا سمعتها، لتصبح نكسة وليست ثورة، وعززوا مواقعهم فى السلطة واحتكارهم للثروة، ولم يخسروا سوى عدد قليل من رجال الصف الأول، الذين خرج معظمهم من الساحة بحكم التقدم فى السن وليس بحكم القضاء، بينما يجرى التصالح مع عدد آخر، للتنازل عن بعض ما نهبوه مقابل عدم تقديمهم للمحاكمة بتهم الفساد.

الحقيقة أن رجال مبارك فى مأزق شديد الخطورة والتعقيد، فهم يجرون البلاد إلى نفس الطريق المسدود الذى أنهى حكم مبارك، وهم لا يدركون أو عاجزون عن شق طريق آخر، لأن تكلفته عالية وتقع على عاتقهم، لصعوبة إلقاء المزيد من الأعباء على باقى فئات الشعب من عمال وفلاحين وموظفين وحرفيين ومهنيين، لأن هذه الفئات باتت فى حالة بائسة، ولا يجد الريح شيئا على بلاطها ليأخذه، كما أن إضعاف القدرة الشرائية لهذه الفئات سيوسع ويعمق الركود الاقتصادي.

مشكلة رجال مبارك أنهم يرفضون الاعتراف بأن سقوط رمزهم لم يكن إلا نتيجة السياسات التى سار عليها، ويلقون بالمسئولية على «المؤامرة الخارجية» وإذا كان الترويج لذلك من خلال صحفهم وقنواتهم الفضائية قد يغطى قليلا على الأسباب الحقيقية لانهيار حكم مبارك، فإن الواقع يصدمهم كل يوم، ويؤكد صعوبة المضى فى نفس الطريق، وأن أمامهم خيارين لا ثالث لهما، وكلاهما مر، فإما أن يضحوا بالكثير من المكاسب التى اعتادوا عليها، وأن يسيروا فى طريق التنمية الحقيقية للإنتاج، والذى يبدأ من النهوض بالتعليم والصحة، وإعادة توزيع الثروة بطريقة تعيد إلى العمل والعلم مكانتهما التى تراجعت كثيرا فى العقود الأخيرة، وإما أن يواصلوا المغامرة المحفوفة بالخطر، ويعيدوا إنتاج نفس النظام والأزمات، ويبدو أنهم يسيرون قدما فى الخيار الثاني.

لم يدرك رجال مبارك أن القضاء على الإرهاب لا يمكن أن يتحقق إلا بتوافر شرطين، أولهما المشاركة الشعبية فى محاربة الإرهاب، والثانى هو إحلال الخطاب العلمى محل الخطاب الدينى فيما يتعلق بتسيير شئون البلاد، أى فصل الدين عن السياسة، لكن ما حدث هو أن المعركة مع الإرهاب ألقيت على عاتق الأجهزة الأمنية فقط، وتم عزل الجماهير عن المشاركة فيها، إلا بالدعاء والتشجيع من بعيد، وتراجعت المواجهة الفكرية لأسس الخطاب المتطرف، واقتصرت المواجهة على جماعة الإخوان، مع محاولة كسب الجماعات السلفية، وتقديم التنازلات لها، ولهذا نرى التوسع فى استخدام تهمة «ازدراء الإسلام» ضد أى محاولة لنقد الفكر المتطرف أو رموزه، حتى أن تصوير مشهد تمثيلى بالموبايل عن ذبح زداعشس للمسيحيين المصريين فى ليبيا مدته نحو 30 ثانية، قد زج بمدرس وأربعة من تلاميذه بالسجون فى المنيا.

أما على الصعيد السياسى فيجرى إعادة انتاج تجربة حزبية أشد بؤسا من تجربة نظام مبارك، فالأحزاب الصاعدة نسخة باهتة من الحزب الوطنى الديمقراطى الحاكم فى زمن مبارك، وأحزاب المعارضة الجديدة أكثر هشاشة من القديمة، لأن منتجها وداعمها هم رجال مبارك ومن على شاكلتهم، لأن مفهوم «رجال مبارك» لا يعنى فقط أولئك الذين شاركوه فى إدارة البلاد، وإنما كل من أراد السير على نهجه، أو من سعوا للعثور على فرصة أو مكان فى أحضان رجال مبارك.

كما تجرى محاولات لإحياء دور القبيلة فى الحياة السياسية، كبديل أو لترقيع التجربة الحزبية الفاشلة، وهو ما يعنى السير للخلف، والاعتراف الضمنى بأن مؤسسات الدولة العصرية تضعف، وعلى صعيد آخر تعود المحاكم العرفية لرتق ثوب الدولة بنسيج عفا عليه الزمن.

أما على الصعيد الاقتصادى فيجرى الدفع باتجاه المزيد من الخصخصة، سواء بطرح عدد من الشركات والبنوك فى البورصة، أو البيع المباشر لشركات أخرى بدعوى أنها متعثرة، والتعويل على المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، وما تجره شروطهما على المجتمع من وبال، يزيد الفقراء فقرا، دون تحقيق تنمية اقتصادية بالمعنى الشامل والحقيقي، والتجارب المؤلمة كثيرة لمثل هذه الشروط فى مصر وغيرها من الدول. كما أن جذب الاستثمارات يعرقله عدم وجود مناخ اقتصادى مناسب، خاصة فيما يتعلف بالعمالة الماهرة، التى تراجعت بسبب تردى التعليم والصحة وغياب معيار الكفاءة لصالح الواسطة والرشوة.

المؤكد أن الملايين التى خرجت فى 25 يناير 2011 لم تكن تؤيد الإخوان، ولا راغبة فى حملهم إلى السلطة، وإنما طالبت بإجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية واجتماعية تنقذ البلاد من أزمتها، ولهذا فإن هدر هذه الرغبة الشعبية، وتبديد آمال الملايين فى إنجاز الإصلاحات،وعرقلتها عبر التشويه الممنهج والمتعمد لحركة الجماهير يعنى عدم القدرة أو الرغبة فى الإصلاح، والعودة إلى سياسة مبارك المسدودة الأفق، والتى تحمل فى طياتها نذير أزمة أشد وطأة، ولا يمكن التخفيف منها عبر اللجوء لتوسيع الأعمال الخيرية أو حملات التبرع الطوعي، وإنما باتخاذ خطوات جادة باتجاه التنمية المستقلة والشاملة، ورفع مستوى خدمات التعليم والصحة، والتوزيع العادل للثروة، والمحاربة الجادة للفساد، وتوسيع المشاركة السياسية.

كاريكاتـــــير