بدأت الجولة الجديدة الأكثر شراسة في حرب النفط، بدخول إيران السوق رسميا، بعد توقيعها الإتفاق النووي مع الدول الست الكبرى، وسط حالة من الغليان والمشاحنات داخل اوبك وخارجها، وحركة تمرد على الفيتو السعودي ضد أي خفض للانتاج، يوقف الإنهيار المتواصل والسريع في أسعار النفط، الذي فقد ثلثي سعره في أقل من عامين.
الضربة القاصمة لأسعار النفط وربما لمنظمة أوبك قد تهوي بأسعار النفط إلى مادون 15 دولارا للبرميل، بعد أن كان يلامس 120 دولارا، وستأتي هذه الضربة من عدة دول ضاقت بما وصفوه التحكم السعودي، وإغراق سوق النفط بأكثر من الطلب العالمي، ورفض كل المحاولات للحد من إنهيار أسعاره.
اتفقت إيران وعدد من الدول داخل أوبك مثل العراق، صاحب ثاني أكبر الاحتياطيات، وروسيا غير المنضوية تحت لواء منظمة أوبك، لكنها بذلت جهودا كبيرة مع السعودية لخفض الإنتاج، وقررت تغيير التكتيك تماما، وبدلا من محاولة الحد من إغراق سوق النفط سيقومون بالمزيد من الإغراق، ويتجاوزون حصصهم، لتهوي قائمة الأسعار على رؤوس الجميع.
لا يمكن الفصل تماما بين المعارك التي تدور في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا بحرب الأسعار، فتكاد تكون الجبهات واحدة، والتحالفات متماثلة، بما يجعلها إمتدادا أو مجرد جبهة أخرى لساحة المعارك.
اتهامات إيران والعراق وروسيا والجزائر وفنزويلا للسعودية ليست جديدة، ومع كل إجتماع لمنظمة أوبك يتجدد الأمل في إعادة النظر في حجم الإنتاج، ليأتي الفيتو السعودي ويؤجل إتخاذ أي قرار، لكن السعودية تقول إن السبب في إصرارها على زيادة الإنتاج هو الحيلولة دون زيادة انتاج البترول الصخري، الذي بدأت الولايات المتحدة ودول أخرى في الإعتماد عليه كبديل لنفط الآبار، لكن منتجي النفط باتوا يرتابون في قصة النفط الصخري، ويعتقدون بوجود ترتيبات بين أمريكا والسعودية للإبقاء على أسعار النفط في حالتها المتدنية، لأن انتاج برميل من النفط الصخري يتكلف نحو 70 دولارا، وهو أكثر من ضعف سعر برميل بترول الآبار، ولا يمكن أن تواصل الشركات الإنتاج في ظل هذه الأسعار المتدنية، مالم يكن لها مآرب أخرى.
تعود المشاكل السياسية لتطفو على سطح منظمة أوبك، وتقسمها إلى جبهتين متصارعتين، ولم تعد المعركة مجرد "عض أصابع" لفرض بعض الشروط هنا أو هناك، وإنما تحولت إلى معركة "تكسير عظام"، وتعتقد كل من طهران وموسكو أنهما المستهدفتين، لأن قطر تحاول هي الأخرى ضرب الإنتاج الروسي من الغاز في معاقله التقليدية في أوروبا، وتعرضه بسعر بخس، رغم التكلفة العالية في إسالة الغاز ونقله
لقد خسرت الدول النفطية نحو 500 مليار دولار في حرب الأسعار خلال عام ونصف فقط، والمنتجون الأصغر في أوبك هم الأكثر تضرر، وهم الأعلى صوتا وغضبا، ومنهم الجزائر وفنزويلا وأنجولا ونيجيريا والأكوادور، بينما لدى المملكة السعودية احتياطيات نقدية تبلغ نحو 900 مليار دولار، بالإضافة إلى أن انتاجها الوفير يعوض جانبا من خسائر الأسعار. كما لا تتعرض السعودية وباقي دول الخليج لضغوط شعبية تدفعها لمراجعة انتاج وأسعار النفط، أما الغضب الإيراني والروسي والعراقي فقد يجعلها تتمسك أكثر بهذه السياسة، التي قد تجعل طهران تتراجع عن التدخل فيما يجري في سوريا والعراق واليمن والبحرين، وتعرف أن هناك ثمنا باهظا سوف تدفعه.
لقد بدأت ترفع من انتاجها النفطي في حدود 15% مؤخرا، وهو ما استشعرت في أوبك بخطر جديد، لكن عندما تكون إيران قادرة على مضاعفة إنتاجها، وكذلك العراق، فإن النفط سيغرق العالم، ويتعرض لأسوأ موجة انهيار في تاريخه، وإذا كان النفط الصخري الأمريكي قد أحدث كل هذا الخلل لمجرد انتاج 4 ملايين برميل يوميا، فلنا أن نتخيل دخول 10 أو 15 مليون برميل إضافي، ستضخها إيران وروسيا والعراق والدول الصغيرة الغاضبة، التي لن تتورع في فعل أي شيء.
تراهن إيران وروسيا على أن دول الخليج سوف يعتريها الخوف من ضياع ثروتها النفطية في سباق غمر الأسولق بالانتاج الزائد، والذي بلغ حد "الطفح النفطي"، وخرج عن حدود المعقول بسبب العناد والتلاعب السياسي بأسعار النفط، لتدخل السوق أسوأ أزمة في تاريخها، وإذا لم يتم تتدارك الأزمة بسرعة، فقد تتفاقم الأوضاع إلى حدود لا يمكن التنبؤ بنتائجها، وتؤدي لفوضى اقتصادية هائلة، لكون النفط صناعة رئيسية تدخل معظم قطاعات الإقتصاد، ولن تتوقف عند حدود ايقاف الدول المنتجة للكثير من مخشاريعها التنموية والخدمية، واحتمال حدوث اضطرابات إجتماعية، لكن الأمر سوف يطال قطاعات إقتصادية أخرى، ويوقف كل مشاريع الطاقة البديلة، سواء من الرياح أو الشمس أو غيرها، لكن الأخطر هو أن سياسة "حرق أسعار النفط" سوف تراكم الأحقاد وتؤجج المعارك، وتفتح أبوابا جديدة للصراع تجر العالم إلى مزيد من الأزمات والإنتكاسات، بدلا من فتح أبواب الحوار والتفاهم.
مازال الوقت متاحا للوصول إلى تفاهمات تصل بسعر البترول إلى حدود عادلة، تعيد للسوق بعض توازنه، ويمتص طاقات الغضب التي لن تستطيع الكثير من الدول المتضررة السيطرة عليها طويلا، قبل أن تنفجر في وجه الجميع، ويصبح النفط أكبر نقمة على منتجيه.
























