يجتهد الكثيرون من أجل الكتابة، او من أجل تقديم اقتراحات للخروج من المأزق الفلسطيني الحالي، والذي يتفق الجميع على أن هناك مأزقاً، او على ان هناك أوضاعاً لم نعتد عليها من قبل، وان المسؤول الأوحد عن أوضاعنا الحالية ليست الأطراف الخارجية فقط، بل ان الانقسام الفلسطيني الحالي، وبغض النظر عن أسبابه او عمن المسؤول عنه، هو من اهم الأسباب التي أدت الى المأزق المختلفة التي عشناها ونحياها هذه الأيام، سواء المأزق السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي او الإعلامي او حتى على الصعيد التربوي والثقافي، والاعتياد على مفاهيم وعبارات وأوضاع جاءت نتيجة الانقسام ولم نعتد عليها من قبل؟ وبما أن الانقسام الحالي، العمودي والأفقي، هو بين الضفة وغزة وبين ما تحويهما من أفراد ومن جهات وممارسات وقيم، هاتان البقعتان الجغرافيتان، اللتان تشتركان في الكثير وفي التطلعات، هذا الانقسام وتداعياته الكثيرة على جوانب الحياة المختلفة، والذي وإن تواصل وتعمق، فإنه لن يكون من السهل التخلص من تداعياته بسرعة، هذا الانقسام يشكل الأساس بل العامل الأهم للخروج او لبداية الخروج من المأزق الفلسطيني الحالي، وللتخلص من هذا الانقسام فإن هذا يتطلب النظر فقط الى الأمام او الى المستقبل، وعدم العودة الى الماضي، للبحث عو الأسباب وعن الآلام والعوامل والظروف التي آلت اليه؟ مع تواصل المأزق والجمود في أوضاعنا الحالية، ومع ازدياد التذمر والتساؤل والخوف من المستقبل القريب والبعيد، ومع تواصل اختلال موازين القوى في غير صالحنا على الإطلاق، ومع تواصل الانقسام والتفتت وحتى عدم اللامبالاة وتعميق التشتت، ومع تعمق هشاشة الاقتصاد وثقافة الاعتماد على الآخرين، ومع ازدياد التشرذم الاجتماعي والثقافي، ومع محدودية الخيارات، ومع مواصلة التهديدات والوعود واستمرار الواقع على الأرض، ومع تذبذب الجدل حول طبيعة المسارات وإمكانياتها او واقعيتها، بدأ المواطن او الناس يشعرون بنوع من انسداد الأفق او بحالة من بداية الضياع او عدم وضوح المسار، وبدأ يوجد هناك إحساس بضعف الخيارات والإمكانيات، حين الحديث عن التغيير او تغيير الوضع الحالي، والاهم حين الحديث عن كيفية او آلية إمكانية حدوث هذا التغيير، وبالأخص في ظل هذا الانقسام؟ والتغيير او الخروج من المأزق، وبغض النظر عن نوعه، يحتاج الى قيادة تبدأ ومن ثم تواصل التغيير، اي تقوم بإدارة التغيير بشكل سلس وناجع، وتقوم بقيادة زمام المبادرة وصولا الى الهدف او الأهداف المرجوة من التغيير، وإقناع الناس بأهمية وإيجابية التغيير، من اهم اسس نجاح عملية التغيير في المجتمعات، خاصة اذا علمنا ان الانسان هو مبرمج او بطبيعته يقاوم التغيير ويرغب في ان يبقى في "منطقته الآمنة"، التي اعتاد عليها، هذا على مستوى الفرد، فكيف اذا كان هذا التغيير من الممكن او من المفترض ان يشمل المجتمع او قطاعات كثيرة منه، وكيف اذا كانت هذه الشرائح قد اعتادت على اوضاع وامور وترتيبات، مثل الأوضاع الحالية الناتجة عن الانقسام؟ ولأن الغالبية الكبرى من الناس، او الأغلبية الصامتة من هذا المجتمع، لا تنتمي تنظيميا او ايدولوجيا، ولكن تطمح الى التغيير، فإنها تتطلع الى التاريخ، او الى مراحل او محطات التاريخ المختلفة، وترى ما تم خلال هذه المراحل من تضحية ومن عمل ومن مبادرة من قبل الحركة الأكبر والأكثر فضفاضية في المجتمع الفلسطيني، وبالرغم من العقبات والهزات والنكسات والأخطاء، وقد تكون بعض هذه الأخطاء كبيرة، رغم كل هذا فإن هذه الحركة قد صمدت وحافظت على صدارتها او قيادتها، وبدون منازع، وربما لأن الناس ترى انها تمثل وبشكل عفوي غالبية طموحهم او تطلعاتهم العادية والبسيطة، بعيدا عن الأيدولوحية الضيقة والمملوكة للآخرين من هنا وهناك، وبعيدا عن التبعية والشعارات واليافطات الكبيرة لهذا او ذاك، وبعيدا عن أفكار او طروحات لم ولا تلائم طبيعة المجتمع الفلسطيني وخصوصيته؟ وإنهاء او انتهاء الانقسام، وبكل النتائج الإيجابية المترتبة على ذلك، لكفيل بإعادة بث الروح الإيجابية عند الناس، وبالأخص عند الجيل الشاب، والذي اصبح جزء منه بالغاً او واعياً في ظل واقع الانقسام، وسوف ينعكس ذلك ولو بشكل تدريجي على جوانب الحياة الأُخرى بعيدا عن الجانب السياسي، والأهم سوف يشكل البداية ولو البداية البطيئة للخروج من مأزق عميق، يعترف الجميع بوجوده، ولكن بدون القيام بالمبادرة ولو بخطوة عملية صغيرة للخروج منه؟
























