شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 09 سبتمبر 2026م21:44 بتوقيت القدس

الفصل بين سلطة الثقافة وسلطة السياسة

22 ديسمبر 2015 - 08:29
مهند عبد الحميد
شبكة نوى، فلسطينيات:

متحف محمود درويش بكل المقاييس صرح ثقافي شامخ، ويعتبر من أهم المعالم والإنجازات التي تحققت على الأراضي الفلسطينية منذ زمن طويل. وما يؤكد على أهميته، إعجاب وتفاعل المواطنين العاديين وطلبة المدارس فضلا عن الزائرين الأصدقاء أثناء حضورهم للمتحف. هذا إنجاز ثقافي يستحق الافتخار به ولا يمكن إنكاره او تبهيته مهما بلغ الخلاف مع إدارته، ومهما تعددت الأخطاء في التجربة. بعد هذه المقدمة يمكن الدخول الى المشكلة. حل مجلس أمناء مؤسسة درويش بمرسوم رئاسي، وتعيين مجلس آخر، بمرسوم آخر أثار جلبة في صفوف المستوى الثقافي بين مؤيدين ومعارضين. غير أن التأييد أو الرفض في النقاش الدائر لم يتجاوز الحلبة السياسية فضلا عن المسألة الديمقراطية. فلا يختلف كثيرون على وجود دافع سياسي للتغيير، لكنه غير واضح ولا محدد سواء في قرار الحل أو في قرار الرد على الحل الصادر عن المجلس المقال. وقد خضع الخلاف السياسي في هذه الحالة للتأويل أو الإخفاء. وتلك مشكلة لا يمكن القفز فوقها، فمن حق المجلس السابق والمجلس اللاحق، والمستوى الثقافي المستهدف من عملية التغيير، معرفة الأسباب الحقيقية السياسية او الإدارية التي استدعت مثل هذا التغيير. كي يتمكن المرء من معرفة طبيعة التغيير وفيما إذا كان مقنعا أم لا.  صدر المرسوم بدون العودة لأعضاء المجلس وسماع رأيهم. ولا تبرر عدم العودة لهم حقيقة أن المجلس تم تعيينه بمرسوم. نعم تم تعيينه بمرسوم بعد موافقة وقبول المرشحين لعضويته. أما قرار الحل فقد جاء بمعزل عن رأيهم وعن معرفتهم، وهذا موقف خاطئ سيما وان المجلس المقال يضم قامات ثقافية سامقة لها حضور ومكانة وتحظى بثقة واحترام اكثرية ضمن المستوى الثقافي والناس، هذه الكفاءات عرفت خبر إقالتها في "الفيس بوك " وفهم من قرار الإقالة وكأنه "عقوبة". وقد هز قرار إقالتها بهذا الأسلوب المستوى المعنوي والرمزي. ويلاحظ ايضا وجود نسبة اكثر من السياسيين ومن الاقتصاديين في المجلس البديل، ما يضفي عليه الصبغة السياسية اكثر من الصبغة الثقافية. لاول مرة، عرف كثيرون أن "مؤسسة درويش " مؤسسة رسمية، تأسست بمرسوم، وتخضع للنظام المعمول به في السلطة من ناحية الموازنة والموظفين والتوظيف. وكان الاعتقاد السائد بأنها مؤسسة مستقلة او شبه مستقلة. وتعزز الاعتقاد من خلال تدفق رأس المال الذي ساهم في بناء المتحف والقاعات والضريح والحديقة وتجهيزاتها إضافة لجائزة درويش السنوية. كان ينبغي معرفة كل ما يتعلق بالمؤسسة، بما في ذلك أصحاب رأس المال الذين دعموا بناء هذا الصرح الثقافي. والأهم التعريف بمؤسسة تابعة للسلطة السياسية. كانت مثل تلك المعرفة تطرح إمكانية استقلال المؤسسة تدريجيا وتحويلها إلى مؤسسة ثقافية ديمقراطية مستقلة بإرادة الوسط الثقافي وبجهوده وعلاقاته. دون ان يعني ذلك إعلان حرب ضد المستوى السياسي.   قرار الحل، وبأثر رجعي قرار التعيين يطرح مجمل علاقة السياسة بالثقافة، يطرح أسئلة عديدة. سؤال إلحاق الثقافة بالسياسة وكيف يتم استخدام الثقافة ورموزها من قبل المستوى السياسي؟ ويطرح سيطرة المطبخ السياسي على المؤسسات الثقافية الرسمية وتحكمه بها وشطب أي هامش استقلالي لها، والاستهانة بالكفاءات الثقافية. والأهم فإن ما جرى يطرح السؤال الأهم وهو صمت المثقفين أو قبولهم بعلاقة التبعية؟ لماذا لا يكون للثقافة مؤسساتها المستقلة قولا وفعلاً؟ والاستقلال، يجيز لمؤسسات الثقافة ان يكون لها حصة من الموازنة، بدون ان تكون الحصة مقابل الوصاية السياسية والتنظيمية. وفي هذه الحالة تكون المرجعية في الشأن الثقافي للمؤسسة الثقافية المستقلة. الاستقلال يحيل مؤسسات كوزارة الثقافة، والمجلس الأعلى للثقافة، واللجنة الوطنية للثقافة والتربية والعلوم، واتحاد الكتاب، ومؤسسة محمود درويش ومؤسسة الدراسات العربية- بيت الشرق – ومركز الأبحاث يحيلها جميعا الى مرجعية ثقافية (مجلس ثقافي) ومعايير ثقافية مستمدة من تراثنا الثقافي ( تراث سميرة عزام وإدوارد سعيد، ومحمود درويش، ومعين بسيسو، وفدوى طوقان، وخليل السكاكيني، وإبرهيم أبو لغد، وجبرا إبراهيم جبرا، وسميح القاسم، وراشد حسين، وأبو سلمى، وغسان كنفاني، وكمال ناصر، وإميل حبيبي، وناجي العلي، وتوفيق زياد، وأنيس صايغ وإسماعيل شموط، وحنا ميخائيل ابو عمر وغيرهم كثر ...). ومعايير ثقافية مستمدة من التراث العربي والعالمي والإنساني. إن المبرر الديمقراطي المقنع للفصل بين السلطات الثلاث السياسية والقضائية والتشريعية هو ذاته المبرر لفصل واستقلال الثقافة عن السياسة. استقلال الثقافة لا يعني اعلان حرب ولا يكون في مواجهة نوع معين من السلطات السياسية، فأيا تكن السلطة محافظة او ليبرالية او تقدمية، فإن الانفصال شرط لا بد منه كي يكون للمثقف والثقافة دور. واستقلال الثقافة لا يختلف عن استقلال مؤسسات المجتمع المدني كالأحزاب والنقابات والمنظمات النسوية والمدنية عموماً. استقل المثقفون الأوروبيون امثال سارتر وفوكو وداريدا وهوبر ماس والتوسير عن سلطات بلدانهم -وعن حتى أحزابهم، واتبع مثقفون أميركان الموقف ذاته في الانفصال والاستقلال. السبب لأن ارتباط المثقف بالسلطة يحوله الى مدافع عن سياساتها ومبرر لخياراتها ومواقفها. ولأنه يخسر اهم ميزة للمثقف وهي النقد، فلا يستطيع نقد الفكر الرجعي واليقينيات والعلاقات نظراً للالتزام بسياسة وقرارات المؤسسة التي تخشى القوى الدينية والعشائرية والعائلية وتتعايش معها. الاستقلالية لا تعني الانفصال عن المجتمع ولا إدارة الظهر للشأن العام، ولا لقضايا الوطن المصيرية بل تعني مبادرة المثقفين لبناء سلطة معرفية هي سلطة الثقافة المستقلة التي تمارس نقد المستوى السياسي وتقدم له الافكار والتصورات للدفاع عن الوطن وتطوير المجتمع. سلطة الثقافة المستقلة لا تنفصل عن السياسة وترفض التمويل المشروط هنا، لتتبع سياسة وتمويل هناك. لا تعارض هنا، وتقبل هناك. السؤال، هل يمكن للثقافة أن تستقل متجاوزة ومخترقة لحقول الهيمنة السياسية والدينية – الإسلام السياسي - ؟ الإجابة مناطة بمبادرة المثقفين الى بناء سلطتهم الأدبية والمعنوية والثقافية، في زمن التحولات العاصفة، زمن انتشار الفكر والثقافة الداعشية التكفيرية داخل المجتمع. إن تحدي الفكر الرجعي وقطع الطريق على التحولات الرجعية لا يكون بدون تفعيل العلاقة بين السياسي والاجتماعي والثقافي، من اجل تثقيف السياسي وتمدين المجتمع، وبدون استيعاب المتغيرات التي أسست لثقافة عالمية إنسانية. اخلص للقول، إن المشكلة أبعد من تغيير مجلس امناء مؤسسة درويش، المشكلة في دور الثقافة والمثقف غير المستقلين.

 

 

كاريكاتـــــير