التفسير الوحيد لمرسوم الرئيس أبو مازن القاضي بحل مجلس أمناء مؤسسة محمود درويش وإعادة تشكيله، هو رغبة الرئيس المعلنة بإبعاد أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير (السابق) ياسر عبد ربه، وهي رغبة تحققت عبر إبعاد عبد ربه عن الإشراف على الفضائية الرسمية العام الماضي، ثم المحاولة المثيرة للجدل لإبعاده عن موقع الرجل الثاني في النظام السياسي الفلسطيني، أمانة سر اللجنة التنفيذية، وتعيين صائب عريقات بديلاً له، وقبل ذلك قرار إغلاق تحالف السلام الذي تم التراجع عنه، في هذا السياق فقط يمكن وضع القرار الأخير الصادر بشأن مؤسسة محمود درويش، رغم أنه يخرج هذه المرة عن مساره السياسي، الذي يمكن تفهم دوافعه، ليصيب المؤسسة الثقافية في أهم مواقعها وعبر أهم رموزها، وهو أمر يصعب تفهمه أو تقبله.
سيكون هناك طبعاً، كما هو سائد في أنظمتنا العربية من يبحث ويحفر ويحرض لأسباب لا علاقة لها بأسباب الرئيس وغير معنية برغباته، وسيحاول جاهداً وبدأب، غير مستغرب، تحويل رغبة صاحب القرار إلى مكاسب شخصية، والحصول على مواقع يعرف جيداً أنه لن يقترب منها إلا من خلال رافعة رسمية وليس منجزاً إبداعياً، رافعة تتنقل بين الأجهزة الأمنية والتنظيمية والمراسيم، هكذا تتحول الوشاية إلى مرسوم في مطابخ السياسة الضيقة.
إن رحلة الوشاية في طريقها للتحول إلى قرار تبدو سالكة في بلادنا، سالكة ومختصرة ومدمرة في نفس الوقت.
لقد جاء المرسوم صادماً سواء في مستوى المضمون والدوافع من جهة أو في الأسلوب والصياغة والآليات التي رافقت إعلانه من جهة ثانية، أو التوقيت حيث جاء القرار في وقت تتصاعد فيه المواجهة مع الاحتلال والمستوطنين وتمتد هذه المواجهات لتشمل مختلف مناطق الضفة والقدس وغزة ولتشمل مختلف شرائح الشعب الفلسطيني، ما فاقم الضرر وعمق الشرخ..
فالقرار يمس أحد أهم رموز الثقافة الفلسطينية والإنسانية، الراحل الكبير محمود درويش والمؤسسة التي حملت اسمه وعملت على الحفاظ على إرثه في نطاق وطني وعربي وإنساني، وهو، المرسوم، عبر تجاهله الغريب لمنجز المؤسسة وسعيها المشهود له في تحقيق أهدافها عبر برامج واضحة وشفافة ومفتوحة على الأبعاد الثلاثة الوطني والإقليمي والدولي، وتجاهله لمكونات المجلس الذي شكل ائتلافاً واسعاً بين مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة والمؤسسة الرسمية والمثقفين المستقلين على مختلف تخصصاتهم، وحرص في تشكيلته على ضم ممثلين عن الشعب الفلسطيني في كافة مناطق تواجده، القدس وغزة والضفة ومناطق الـ 48، بحيث يبدو أقرب إلى إطار لمجلس ثقافي وطني أو ائتلاف للعمل الثقافي بين مؤسسات المجتمع المدني والمثقفين المستقلين ورموز العمل الوطني والرسمي.
إن في الإصرار على هذا التجاهل والتعالي الذي اتسم به إصدار المرسوم والاستقواء غير المبرر في فرض الإرادة السياسية على المنجز الثقافي وممثليه ورموزه، ما يدعو للأسف ويؤشر نحو فهم يقوم على التبعية لدور المثقف والعمل الثقافي، هذه التبعية التي رفضها المثقفون الفلسطينيون ورموزهم الكبرى من إبراهيم طوقان إلى سميح القاسم وتوفيق زياد وادوارد سعيد وشكل رفضها إحدى قيم الراحل الكبير محمود درويش.
لعل في هذا ما يفسر الحملة العفوية الواسعة التي تجاوزت فلسطين إلى المحيط العربي والعالمي في احتجاج واضح ومتصاعد على محاولة زج المؤسسة التي تحمل اسم محمود درويش في صراع سياسي صغير، نأى درويش بنفسه عنه أثناء إقامته بيننا، عندما استقال من عضوية اللجنة التنفيذية وتفرغ لفصلية الكرمل والكتابة، فيما بعد سيوقف الكرمل ويتفرغ بشكل كلّي للكتابة.
لعل هذا ما منح حملة الاحتجاج بعداً يتجاوز الدفاع عن مؤسسة درويش ليشمل المؤسسة الثقافية بمختلف تعبيراتها، وتتجاوز الاحتجاج على المرسوم بحد ذاته لتتحول إلى احتجاج أوسع في مواجهة نزعة التسلط والهيمنة والتجاهل لاستقلالية المثقف ودوره وحضوره.
عن موقع "24" الالكتروني
























