شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 10 سبتمبر 2026م00:50 بتوقيت القدس

جانشا يقول الصحيح

18 ديسمبر 2015 - 10:31
هاني عوكل
شبكة نوى، فلسطينيات:

طوال عمرها كانت المؤسسة الدولية الأم الأمم المتحدة تأخذ بعين الاعتبار مواقف الدول الكبرى وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية إزاء مختلف صراعات العالم، وفي القلب منها الصراع العربي- الإسرائيلي الذي شكل عنواناً لإدارة الأزمة واستصعاب حلها. وعلى تنوعهم وتداولهم في موقع الأمانة العامة للأمم المتحدة، لم يقدم الأمناء العامون لهذه المؤسسة مواقف إيجابية تدعم القضية الفلسطينية، بل ظلوا يعبرون من حيث المبدأ عن الموقف الأميركي، لكنهم يغلفون تصريحاتهم باللباقة الدبلوماسية التي لا قول لها في ساحة الفعل ووقت العمل. إحاطة مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية ميرسلاف جانشا إلى مجلس الأمن الدولي، على هامش انعقاد جلسة حول الشرق الأوسط بما في ذلك القضية الفلسطينية، هذه الإحاطة تستحق الإشادة خصوصاً وأنها تأتي من مؤسسة لم تضطلع بمسؤولياتها الأخلاقية كما يجب. جانشا قال كلاماً مهماً في موضوع القضية الفلسطينية، حيث أكد أنه «يجب معالجة العناصر الأساسية التي تحفز الغضب الفلسطيني»، مشيراً إلى أن الأفق السياسي لإنهاء الصراع الآن أبعد من أي وقت مضى. الرجل زاد على كلامه هذا بالقول: إن الظلم المرتبط بالاحتلال الإسرائيلي الذي لا يبدو أنه سينتهي من شأنه أن يغذي وجهات النظر خصوصاً لدى الشباب بأنه ليس لديهم شيء ليخسروه، مستدلاً بحادثة الحرق الوحشية لعائلة الدوابشة التي حصلت قبل حوالي أربعة أشهر، ولم يقدم مرتكبوها إلى العدالة. أيضاً في موضوع ما يسمى بالتزام إسرائيل بحل الدولتين، أكد جانشا أن التصريحات الإسرائيلية لم تصاحب الدخول في إجراءات تكشف صدق التزام القيادات الإسرائيلية بدولة فلسطينية مستقلة إلى جانب الدولة العبرية. هذه الإحاطة على درجة بالغة من الأهمية كونها تحدثت بجرأة عن الطرف المعطل لعملية السلام، ذلك أن إسرائيل تقابل مستقبل الدولة الفلسطينية بالاستيطان المتوسع الذي إن عاجلاً أم آجلاً سيخلق وقائع يصعب معها الحديث عن دولة فلسطينية. بالتأكيد ستلقى تصريحات جانشا هذه موقفاً إسرائيلياً سلبياً، لأن الدولة العبرية غير قادرة على تحمل وجهات النظر التي تخالفها في الرأي والموقف، فهذا وزير خارجية أكبر دولة في العالم وهو جون كيري، حظي بسخط إسرائيلي كبير وانتقادات لاذعة كانت تطاله في كل زيارة يقوم بها إلى إسرائيل حين كان يحاول الدفع بتسوية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. سبق هذا الرأي الأممي موقف صادر عن دولة السويد، حين عبرت وزيرة الخارجية مارغوت وولستروم عن رأيها بما معناه أن الفلسطينيين لا يرون أي مستقبل لهم وأن هذا يؤدي إلى احتمالين، إما أن يستسلموا للأمر الواقع ويستكينوا أو أن يلجؤوا إلى الرد على الاعتداءات الإسرائيلية. هناك شعور دولي بدأ يتعاظم حول فهم أسباب الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وهذا الأمر لم يكن ليتأكد لولا الجهد الدبلوماسي الفلسطيني الذي تحرك منذ سنوات قليلة بحثاً عن نافذة لتحقيق المكتسبات الفلسطينية والوصول إلى دولة مستقلة. الفلسطينيون كانوا يطمعون للفكاك من مهزلة المفاوضات الثنائية مع الطرف الإسرائيلي، وتدويل صراعهم والاشتباك مع الاحتلال في المحافل الدولية على أمل تحقيق مطالبهم، غير أن الولايات المتحدة الأميركية ظلت تترصدهم وتمنع ترجمة إنجاز الدولة في محفل الأمم المتحدة. هذا الانغلاق التام لكل نافذة أمل كان الفلسطينيون يلجؤون إلى فتحها، عقد مسار الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وجعل القضية الفلسطينية تسترجع زخمها وتجمع قواها وتلم شملها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. تصريحات جانشا تبعث على الأمل وتستحق التصفيق والمراكمة عليها لجهة مواصلة النضال الدبلوماسي والعودة مرةً أخرى إلى خيار طرق أبواب الأمم المتحدة والتفاعل مع قضية تحصيل حقوق الفلسطينيين في منابرها، والتأكيد على حقيقة الدولة المستقبلة. هذا الأمر يتطلب من السلطة الفلسطينية أن تستجيب لحركة تفاعل الهبة الشعبية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالتحرك الدبلوماسي وطرق مختلف المحافل الدولية، إذ ينبغي استثمار نضال الجماهير وتضحياتهم في تحقيق إنجازات تخدم القضية الفلسطينية. إسرائيل تدرك أن العالم اليوم لا يوجه بصره ناحية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، لأنه منشغل تماماً بمحاربة الإرهاب، فضلاً عن الحرب الباردة التي تدار عبر القوى المحلية والإقليمية، ولذلك فإن دولة انتهازية متسلقة مثل إسرائيل تسعى للاستفادة القصوى من هذا الوضع القائم. وأما الولايات المتحدة الأميركية فهي غير آبهة لما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لأنها تعتبر معركة الانتخابات الرئاسية الموضوع الأهم على سلم الأولويات، وهذا بحد ذاته يعطي إسرائيل هامشاً كبيراً من المناورة وكسب الوقت لتمرير استراتيجيتها في وأد الدولة الفلسطينية. وإذا كان الفلسطينيون غير قادرين على تجاوز خلافاتهم الداخلية التي تُصغّر من حقوقهم، فعلى الأقل من الضروري أن يتوحدوا في طريقة التنسيق ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهذا يشمل ضرورة التعاون وتشكيل غرفة عمليات مشتركة من قبل كافة التنظيمات لمواجهة المخططات الإسرائيلية. يفترض من التغول الإسرائيلي واستهدافه كافة الفلسطينيين، أن يحرك الغريزة الوطنية للتنظيمات الفلسطينية باتجاه تأسيس نوع من الشراكة المصلحية التي تقوم على أساس الدفاع عن الوطن، والاستجابة لغضب الجمهور الفلسطيني تجاه السياسات الإسرائيلية العنصرية. نعم نحتاج إلى المراكمة على تصريحات جانشا، بعدة طرق أولها مواصلة النضال الدبلوماسي السلمي في المحافل الدولية وفضح المخططات الإسرائيلية في الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات والمؤسسات الدولية، إلى جانب توفير مظلة وطنية فلسطينية جامعة لدعم وتمكين الهبة الجماهيرية واستدامتها. إن نضال الفلسطينيين ولجوءهم إلى الأمم المتحدة حقق نتائج مفيدة للقضية الفلسطينية، وبالفعل الوطني المتواصل يمكن الفلسطينيين من إحداث اختراقات إيجابية في صفوف دول محايدة أو صديقة لإسرائيل يمكنها أن تتحول عن هذه الصداقة وتتفهم وتستعطف نضالات الشعب الفلسطيني. الفلسطينيون وحدهم الآن في ميدان الصراع والاشتباك مع الاحتلال الإسرائيلي، فإما أن يديروا الصراع بحكمة ومستوى عالٍ من المسؤولية الوطنية التي تحول الإدارة إلى إرادة لتثبيت حق تقرير المصير بشد الظهر الوطني ونقل الصراع إلى المحافل الدولية، أو أن تبقى الهبة الجماهيرية مدارة بأبطالها الشباب ولا تحظى بنقلة أخرى في سلم التحول عبر فعل على درجة واسعة من التنظيم والشراكة الوطنية الفصائلية في الفعل النضالي. أمام الانشغال الدولي في قضايا يعتبرها جوهرية وأمام حالة «الإمساك» في البدائل، فإننا مضطرون للذهاب إلى الأمم المتحدة بالرغم من عجزها ومصادرة موقفها لإرادة الدول الكبرى، إلا أن مواصلة النضال الدبلوماسي ستغير مع الوقت موقف هذه الدول، الأمر الذي ستستوعبه الأمم المتحدة ولو بعد حين. [email protected]

كاريكاتـــــير