بعد سنوات قليلة، سيبدأ العالم بالاحتفال تباعاً بذكرى مرور مائة سنة على أحداث واتفاقيات غيّرت وجه القرن العشرين، وحدت ملامح وقسمات الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، وللعالم بأسره، والاحتفال بها لا يعني أنها مناسبات سعيدة بالضرورة. ربما تكون البداية بالذكرى المئوية لاتفاقية سايكس بيكو، ثم وعد بلفور، ومعاهدة سان ريمو. ربما كان في ذهن من رسم تلك الاتفاقيات، أن ما يقوم به سيدوم أثره للأبد، ولكن من المؤكد أنه لم ينظر بأي عين إنسانية لتبعات ما يقوم به، ولم يأبه لعدد الضحايا وحجم الخراب الذي سيخلّفه، ومع ذلك فإن الخارطة السياسية التي نتجت عن هذا الجنون تقف اليوم على أرضية هشة، تتهددها زلازل من نوع مختلف، قد تؤدي لافتتاح دورات عنف جديدة أشد وأخطر. فكل تلك الاتفاقيات والحروب التي دشنت القرن العشرين، لم يصمد أثرها حتى منتصف القرن؛ فبسبب تناقضات رأس المال، قامت الحرب العالمية الثانية، والتي على إثرها قام نظام دولي جديد، لكنه قام على نفس مبادئ الظلم والإمبريالية، ونهب الشعوب، والتعامل معها كمجرد أرقام لا قيمة لها، ولا تصلح إلا وقوداً لحروب القوى العظمى. ومع نهاية القرن، لم يتغير في المشهد سوى أسماء الدول والقادة؛ فقد حلت أميركا مكان بريطانيا وفرنسا، والحرب على "الإرهاب" بدلاً من الاستعمار المباشر. إسرائيل ما زالت القوة الإقليمية الأولى، لكن الشعوب العربية التي كانت مقهورة ومغلوبة على أمرها افتتحت عصر التغيير، وصارت تملك الخروج للشارع والتعبير عن صوتها، أما مسلسل التقسيم والتجزئة فمن الواضح أنه لم يبلغ حلقته الأخيرة بعد. مع بدايات "الربيع العربي" تنبه صنّاع القرار في العواصم الغربية إلى خطورة ما يحدث، وإمكانية التغيير (المنشود) التي قد تطال مصالحهم في المنطقة، وعلى الفور بدأت معاهد الأبحاث والدراسات تخرج من أرشيفها مخططات عفا عليها الزمن، وتعد خرائط جديدة للمنطقة، بما يضمن لها توجيه دفة الحراك الشعبي بالصيغة التي تؤمّن إدامة مصالحها، أو التقليل من خسائرها. وسواء كانت المعلومات عن مخططات جاهزة ومؤامرات تُحاك تحت جنح الظلام صحيحة أم مجرد شطحات خيالية؛ فإن مضمونها وجوهرها يقع في دائرة الاحتمالات الممكنة، وأحياناً لا يتطلب الأمر مؤامرات خارجية وتخطيط أجهزة متخصصة، فلدينا من يتطوع لتنفيذ رغبات الأعداء وتحقيق أمانيهم حتى دون مقابل.. ألم يكن تعنّت نظام "البشير"، وفشله في إيجاد صيغة وطنية جامعة تستوعب أهل الجنوب وغيرهم من الأقليات، إلى جانب حاجته الشخصية لتجنب المحكمة الدولية أسباباً كافية لتمرير الانفصال ؟؟ ألم يكن طموح "حماس" الحزبي لإقامة إمارة خاصة بها، سبباً كافياً لسلخ جزء من الوطن واقتطاعه لتمارس عليه أيديولوجيتها، مسبّبة بذلك حالة من الانقسام قصمت ظهر القضية الفلسطينية ؟؟ والخشية أن يكون تقسيم السودان، وانقسام حماس مجرد بداية لعالم جديد، بخرائط ودول وحدود جديدة .. فاليمن مثلاً تحيط به ثلاثة أشباح تقسيمية: يساري طفولي في الجنوب، وطائفي في الشمال، وقبلي في الوسط، والفوضى في ليبيا قد تفضي إلى قيام دولة طرابلس، ودولة بنغازي على غرار ما حصل في الصومال، الذي قُسم بصورة غير معترف بها بين الصومال الجنوبي وجمهورية أرض الصومال. الأمازيغ بعد الهجوم الفرنسي على مالي بدؤوا يتحدثون عن حلمهم بالاستقلال بصوت مرتفع، وهذا سينعش آمال وتحركات البوليساريو في الصحراء المغربية. الأكراد لم ولن تُتح لهم أفضل من هذه الفرصة لإقامة كردستان، وأفغانستان التي حملت سنوات طويلة بالحرب الأهلية قد تنجب البلوشستان والباشتوستان، كما تشظت من قبلها الهند الكبرى إلى خمس دول. أما إيران، فإذا ما انهار نظامها المركزي (إما نتيجة انتفاضة داخلية أو بعد ضربة عسكرية تضعف قدرات الجيش) ستخسر حدودها الشمالية لصالح أذربيجان، وجزءاً من حدودها الغربية لصالح الدولة الشيعية العربية، لكنها ستكسب أراضي جديدة من أفغانستان. والاستقطاب الطائفي الذي لم تشهد المنطقة مثل حدته من قبل سيكون كافياً لإنشاء دول جديدة سنية وشيعية ودرزية وعلوية ومسيحية، تتداخل حدودها فيما يعرف بالهلال الخصيب، خاصة في ظل الثورة السورية التي أخذت منحى طائفياً شديد العنف، وفي ظل ضعف الإدارة المركزية في العراق وفسادها، وفي مصر بعد تدهور أوضاعها الأمنية، ثمة من يدعو لسلخ النوبة، وإقامة دولة في سيناء. مخططات التقسيم هذه، التي تخدم الهيمنة الإمبريالية وتضمن تفوق إسرائيل، لن تحتاج إلى حرب عالمية ثالثة، إنها تحتاج فقط لتصعيد حدة التجاذبات العرقية والطائفية وإشعال الحروب الأهلية، ووضع القبائل على الحدود السياسية التي خلفها سايكس وبيكو، والتي هي في حقيقتها قنابل موقوتة قد تنفجر في أية لحظة، ثم إن قيام الأقليات بحركات احتجاجية تطالب بحق تقرير المصير، وتصويت في الأمم المتحدة، سيلاقي قبولاً فورياً يمنحها حدوداً وعاصمة وعملة ورئيساً يجري استقباله على البساط الأحمر .. لأن في هذا إنقاذا لها من براثن الحرب الأهلية، وحمايتها من قمع الأقليات. وما يساعد ويخدم هذه المخططات تنظيم ضبابي عالمي اسمه "القاعدة" أو "داعش" تراه حاضراً في كل بلد يتهيأ للانقسام، أو تسوده الفوضى، من غرب أفريقيا إلى قرنها، ومن أواسط آسيا حتى جنوبها .. كل هذه المخططات والمؤامرات والاحتمالات قد تبقى حبيسة، بحيث لا ترى النور أبداً، أو تخرج وتفشل على الفور .. هذا إذا تنبهت شعوب المنطقة لمخاطر ما يحيط بها، وارتقت إلى مستوى المسؤولية التاريخية .. أما إذا بقيت على ضلالها وغيّها فستصبح أمراً واقعاً .. وحينها أخشى أن نكون مضطرين للقول: "الله يرحمك يا سايكس ويا بيكو؛ فقد كنتما أكثر رحمة وكرماً من أمراء الحرب في زمننا الحاضر".
























