غزة- نوى:
لا تتذكر الخمسينية سلوى كم مرة نظرت في وجهها في المرآة؛ كي ترى سنّها الأمامية المكسورة، فتضحك، ثم تفتح فمها أمام الزبائن دون خجل, وتقول:" حتى أسناني تكسّرت، وحال السوق لا يسُر، فلم استطع إصلاحها، بسبب رداءة الحال".
رغم حال السوق الرديئة إلا ان سلوى محمد تستيقظ " الثالثة فجرًا" ، تُصلي فجرها، تتناول كسرة خبز وكوب شاي، ثم تنطلق على عربتها" كارو يجرها حمار" باتجاه البحر. هناك الروائح التي تحب، تشتري السمك من التجار الذين للتوِ يخرجونه من البحر، بعد رحلة صيدٍ ليلية، ثم تعود بصناديقها، تُوزِع ساعات نهارها على أسواق غزة؛ كي تبيع ما بحوزتها من أسماك، وتعود لصغارها باحتياجاتهم من السوق.
منذ أكثر من 25 عامًا، عادة سلوى هذه لم تتغير، وهي تعمل في تجارة الأسماك، التي جعلت منها امرأة قوية، لا ترهبها عواصف البحر، ولا الفقر،لا تخاف شيئًا، سوى الجوع على صغارها.
في سوق الاثنين الأسبوعي في النصيرات وسط قطاع غزة، تجلس سلوى أمام بسطة الأسماك تفترش 4 صناديق منها( 50 كيلو جرام)، تنتظر بيعها والعودة إلى البيت، باحتياجاته من خضار ولوازم.
يسأل احد الزبائن" بكم كيلو السمك يا سلوى"، تجيب" بـ 20 شيكل، بلاش بـ 25 شيكل"، ثم يغادر دون أن يشتريه.
تتذمر سلوى من حال السوق هذه الأيام تقول:" السوق نايم، ما حدا بشتري، الموظفين بلا رواتب، ببيع بالدّين، والناس ما معها تسدني".
أسواق غزة تعرف سلوى، 55 عامًا، وهو الاسم الذي يعرفونها به، بينما يُسجّل في شهادة ميلادها "فاطمة"، فهي لا تكل ولا تمل من البحث عن قوت أولادها، حتى بعد أن كبروا وزوّجتهم منذ أن غادرها زوجها قبل 20 عامًا، بسبب مرضه، وترك لها 4 أولاد وبنت من الأيتام، وعليها تأمين سبل الحياة لهم، وانتزاعها في ظروف غزة بالغة القسوة.
تعلقت سلوى بالبحر منذ صغرها" كان والدي صياد، وانزل معاه في حسكه يمتلكها، كان الصيد أحسن من اليوم والسمك وفير، وحركة الشراء أكبر".
في سن صغيرة تزوجت سلوى من صياد، فأكملت معه رحلة بيع السمك والصيد، ولكنهما لأسباب ما لم يستمرا، فتزوجت من أخر ويعمل سائقا فأكملت حياتها في السوق حتى توفي .
تشد ملايتها على رأسها، وتبتسم للزبائن الذين يعرفونها جيدًا، ويمازحونها. يقاطع أحدهم الحديث" سلوى عانت كثير بحياتها، منذ صغري أراها في السوق، رغم مرضها وشقائها، إلا إن روحها جميلة، وتبتسم للحياة".
لا تلتفت سلوى إلى حديثنا، فهي منشغلة بترتيب السمك في صناديقها، ثم نطلب منها تشاركنا الحديث:" تركت التعليم في الثالث الإعدادي، وضعنا الاقتصادي صعب، لم اكن املك مريوًلا، وأخذت أساعد والدي في البحر والصيد وبيع السمك"، ورحلة البيع لاحقتني في زواجي الأول الذي لم يدم، وفي زواجي الثاني الذي أنهاه القدر باصابة زوجي بالمرض ووفاته فيما بعد".
تواصل:" الحمد لله! كبّرت أولادي، وزوجت اثنين منهم، واليوم ما أبيعه بعد المرور بثلاثة أسواق يصل إلى 20-30 شيكلًا في اليوم، وهو لا يفي باحتياجاتنا اليومية، إلا انه أفضل من لا شيء".
لا تمتلك سلوى رأس المال، فرأس مالها ثقة التجار بها، تقول" اشتري السمك من التجار بالدّين ثم أسدد المبلغ بعد أن أبيع السمك".
هل مررتِ بمواقف صعبة، او خفتِ؟ تجيب سلوى:" وليش بدي خاف ومن مين، هذا البحر وهذه الحياة، والقسوة اقتلعت من قلبي كل خوف". عليّ أن أكون قوية كي أكمل رسالتي في الحياة، وأقف إلى جانب أبنائي، لتأمين سبل الحياة لهم، "حلمي أن آراهم لا يحتاجون شيئًا"، تصر على ان تستمر في رحلتها، وقد وُصّم هذا الشقاء بمرض السُكّر وارتفاع في الضغط".
























