التخفي وسيلة يمكن اللجوء اليها من قبل الصحفيين في بعض الأحوال في تحقيقاتهم الاستقصائية ان لم يتمكنوا من الحصول على معلوماتهم بهويتهم الصحفية، لكن ذلك قد يعتبر في حالات محددة مخالفة قانونية، اذا كان تخفيهم ضمن حالات نص القانون النافذ على تجريمها مثل انتحال صفة أو وظيفة الموظف العام سواء كان مدنياً أو عسكريا أو انتحال الشخص لهوية غير هويته امام جهات قضائية او تحقيقية أو جهات أخرى مخولة بصفة الضبط القضائي.
تخفى العديد من الصحفيين لدى اعدادهم تقارير صحفية بغية الكشف عن معلومات وانتهاكات لم يكن بامكانهم الحصول عليها بوسائل عادية، كما فعل قبل عدة اعوام صحفي اردني قرر الكشف عن حقائق وأسرار شبكات المتاجرة بإمتحانات الثانوية العامة عبر تقمص شخصية طالب والإنضمام رسميا للإمتحان الوزاري الرسمي بعدما قرر إعادة تقديم الإمتحان الثانوي وهو خيار يسمح به القانون أصلا للجميع. وتقمص آخرون شخصيات مختلفة مثل شخصية معاق او فتاة ليل أو عامل في مصنع أو سائق بغية اعداد تحقيقات صحفية كانت في غاية الاهمية .
ان الحالات الوحيدة التي لا يمكن للصحفيين العاملين في فلسطين التخفي بها أو تقمص شخصيات أخرى هي تلك الحالات التي حظرها قانون العقوبات الاردني لعام 1960 في المادتين 201 و 202 وهي تتعلق بانتحال صفة أو وظيفة الموظف العام سواء كان عسكريا او مدنيا. كما حظرت المادة 212 من القانون ذاته الهوية الكاذبة وحظرت المادة 213 انتحال اسم الغير امام القاضي او الشرطة أو احد اعضاء الضابطة العدلية او خلال التحقيق أو المحاكمة، ونصت المادة 269 على حظر انتحال الهوية الكاذبة اذا كانت امام السلطة وبهدف الحصول على منفعة او الحق ضرر بحقوق الاخرين.
ان ما تقدم يبين أن القيود التي فرضها القانون فيما يتعلق بالتخفي أو انتحال صفة او وظيفة كانت في حالات محددة وحصرية وليس في كل الظروف مما يعني أن بامكان الصحفي تقمص شخصية أخرى في غير تلك الحالات التي حظرها القانون، بل ان ا ستخدام الصحفي لاسم غير اسمه عند النشر امر اتاحه قانون المطبوعات والنشر لعام 1995 حين اشترطت المادة 32 من القانون علم رئيس التحرير بالاسم الحقيقي للكاتب اذا رغب بالنشر بغير اسمه.
ان استخدام أي شخص لإسم غير اسمه امراً غير متاح في كل الاحوال كما يرى فقهاء القانون، فقد أعطى القانون في العديد من البلدان لمن ينتحل اسمه من قبل شخص آخر الحق بأن يطلب ممن ينتحل اسمه أن يطلب وقف انتحال اسمه، وان يطلب التعويض عن الضرر الذي لحق به، وهذا يعني أن من يريد أن يقوم بمنع شخص من انتحال اسمه يجب أن يكون صاحب مصلحة، وان يكون اسمه مطابقاً للاسم المستخدم مما يلحق به الضرر، وحقه بطلب التعويض مرهون بحجم الضرر الذي لحق وليس استخدام الاسم فقط.
ان تخفي الصحفي وعدم اظهاره لشخصيته الحقيقية في الحالات التي لم يجرمها القانون لا يعطيه الحق بارتكاب مخالفات قانونية تنتهك خصوصية الآخرين مثل اجراء تسجيلات سرية مع اشخاص دون علمهم أو اقتحام اماكن صنفها القانون بأنها خاصة، أو ان ينجم عن عمله سواء بالنشر أو بإخفاء شخصه ضرراً بكرامة وسمعة وشرف الآخرين، أو ان يمس بمشاعر فئات او جماعات على خلفيات مهنية كما فعلت الصحفية الهندية التي تخفت بالنقاب، ونجم عن عملها مساً بمشاعر المسلمين في الهند، علماً بأنها اعتذرت في اليوم التالي لفعلتها.
ان القاعدة الاساسية الاخلاقية التي يجب أن يتحلى الصحفيون بها هي الكشف عن هوياتهم في مجمل أعمالهم الصحفية، وفرصتهم الممكنة للتخفي في الحالات التي يجرمها القانون هي فرص يمكن أن يستخدمها فقط في الحالات التي لا يمكنه الحصول على المعلومات التي يبتغيها بالطرق المعروفة للعمل الصحفي، وان تكون القضية التي يريد أن يجري تحقيقاً استقصائياً يهم الرأي العام وفيه مصلحة عامة للجمهور، أو سيكشف انتهاكاً جسيماً للحقوق الانسان أو امراً ملحاً سيستخدمه الصحفي حماية لحياته أثناء اعداده تقريراً صحفياً، .
اعتقد أننا سنتعاطى باحترام وتقدير لصحفي اخفى شخصيته ليكشف لنا عصابة تتاجر بالاعضاء البشرية او جهاز يمارس التعذيب بحق الموقوفين أو مصنع يقدم لنا منتوجات غذائية فاسدة او تاجر يبدل حليب الاطفال، او شخصيتة عامة تتلقى الرشوة، او مدرس يتعامل بعنف مع اطفال مدرسة، فمثل هذه الحالات قضايا حجم منفعتها اعلى من اي ضرر يمكن ان يلحق نتيجة اخفاء الصحفي لشخصيته وتقمص شخصية عامة، لكن اقدام صحفي على التخفي ليلتقط صورة في منتجع للممثلة بلباسها البحري، او شخص عام يشارك في حفلة خاصة في احد الفنادق، فإقدام أي صحفي على عمل من هذا القبيل بصورة متخفية يتقمص فيها شخصية نادل مثلاً، أمر لا يحظى بتقدير أحد، وبالتالي يشكل عمله مساً أخلاقيا بمهنة الصحافة، حتى ان نجح بعمله بما لا يخالف القانون.
























