د.ماهر تيسير الطباع*
حتى هذة اللحظة وبعد مرور أكثر من عام على انتهاء الحرب الثالثة على قطاع غزة , أي ما يقارب من (15 شهر) , لم تبدأ عملية إعادة الإعمار الحقيقية و الجدية لقطاع غزة، ويرجع ذلك إلى استمرار الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة ومنع إسرائيل دخول العديد من مستلزمات إعادة الإعمار و السلع و البضائع و المواد الخام و المعدات و الآليات و الماكينات، وإغلاق المعابر و استمرار إدخال مواد البناء وفق الآلية الدولية العقيمة المعمول بها حاليا، والتي تم رفضها منذ البداية من قبل القطاع الخاص الفلسطيني و من كافة أطياف المجتمع في قطاع غزة , و التي ثبت فشلها في التطبيق على أرض الواقع،
حيث أن ما تم إدخاله من مادة الاسمنت للقطاع الخاص لإعادة اعمار قطاع غزة منذ منتصف شهر أكتوبر عام 2014 حتى تاريخه لا يتجاوز 234 ألف طن تقريبا , وتم توزيع تلك الكميات على أصحاب المنازل المتضررة جزئيا وفق آلية الكوبونة المدفوعة الثمن , وهذه الكمية لاتكفي احتياج قطاع غزة لمدة 30 يوم من مادة الاسمنت , حيث أن قطاع غزة يحتاج يوميا إلى 10 آلاف طن من مادة الأسمنت فقط.
ومن الملاحظ بأنة طرأ ارتفاع على كميات الأسمنت الواردة للقطاع الخاص في الأشهر الأخيرة وذلك نتيجة لسماح الجانب الإسرائيلي بإدخال الأسمنت لغير المتضررين من أصحاب المنازل و المشاريع الاستثمارية و زيادة عدد الموزعين المعتمدين , لكن وفق آلية إدخال مواد البناء الدولية المعمول بها , وساهمت تلك الكميات في انخفاض أسعار الأسمنت في السوق السوداء , وأحدثت انتعاش إلى حد ما في قطاع الإنشاءات , و في حال استمرار إدخال الاسمنت بهذه الوتيرة المرتفعة سوف يساهم ذلك في عودة قطاع الإنشاءات للحياة مرة أخرى وبالتالي المساهمة في انخفاض معدلات البطالة المرتفعة في قطاع غزة والتي تعتبر الأعلى عالميا.
أما على صعيد المعابر فمازالت كافة المعابر التجارية المحيطة بقطاع غزة (معبر المنطار – معبر الشجاعية – معبر صوفا ) مغلقة و ما يعمل فقط هو معبر كرم أبو سالم و يعمل وفق الآليات التي كان يعمل بها قبل الحرب الأخيرة , فلم يتغير أي شيء على آلية عمل المعبر من حيث ساعات العمل , عدد الشاحنات الواردة , نوع وكمية البضائع الواردة , والزيادة التي حدثت في عدد الشاحنات الواردة نابعة من دخول مواد البناء للمشاريع الدولية و المشاريع القطرية في قطاع غزة و كميات مقننة من مواد البناء للقطاع الخاص لإعادة إعمار قطاع غزة.
من خلال رصد حركة الشاحنات الواردة عبر معبر كرم أبو سالم و أيام الإغلاق خلال عشرة شهور من عام 2015 , فقد بلغ عدد أيام إغلاق المعبر 99 يوم خلال الفترة السابقة وهي تمثل 30% من إجمالي عدد الايام في تلك الفترة , و بلغ عدد الشاحنات الواردة خلال تلك الفترة 69929شاحنة منها 46745شاحنة للقطاع الخاص , 23184شاحنة مساعدات إغاثية للمؤسسات الدولية العاملة بقطاع غزة وهي تشكل 21% من إجمالي الواردات , و بلغ متوسط عدد الشاحنات اليومية الواردة إلى قطاع غزة ( 233 ) شاحنة.
وعلى صعيد خروج البضائع من قطاع غزة , فقد بلغ عدد الشاحنات الصادرة 988 شاحنة إلى أسواق الضفة الغربية و السوق الإسرائيلي و الخارج , وهذا يمثل 20% من عدد الشاحنات الصادرة من قطاع غزة قبل فرض الحصار.
أما على صعيد المنشآت الاقتصادية في كافة القطاعات ( التجارية و الصناعية و الخدماتية ) والتي يتجاوز عددها ما يزيد عن 6000 منشأه اقتصادية و تقدر تكاليف إنعاشها وإعادة إعمارها بحسب ما تم رصده في الخطة الوطنية للإنعاش المبكر و إعادة الاعمار بحوالي 566 مليون دولار وهي ثلاثة أضعاف خسائر الحرب الأولى التي شنت على قطاع غزة في عام 2008-2009 , فلا يوجد أي جديد فحالها كما هي , حيث أن ما تم إنجازه في الملف الاقتصادي هو صرف تعويضات للمنشآت الاقتصادية بما لا يتجاوز 9 مليون دولار وصرفت للمنشآت الصغيرة التي بلغ تقيم خسائرها أقل من سبعة آلاف دولار.
إن التأخر في عملية إعادة الاعمار أدي إلي تداعيات خطيرة على الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة , حيث حذرت العديد من المؤسسات الدولية من تداعيات إبقاء الحصار المفروض على قطاع غزة و تأخر عملية إعادة الاعمار على كافة النواحي الاقتصادية و الاجتماعية و الصحية و البيئية.
و بفعل استمرار الأوضاع الاقتصادية المتدهورة ونتيجة لانهيار المنظومة الاقتصادية في قطاع غزة بفعل الحرب الشرسة الضروس التي تعرض لها القطاع على مدار 51 يوم , واستمرار تداعياتها حتى هذه اللحظة ازداد عدد الفقراء و المحرومين من حقهم في الحياة الكريمة , و بلغت معدلات البطالة في قطاع غزة 41.5% في الربع الثاني من عام 2015 بحسب مركز الإحصاء الفلسطيني , وبلغ عدد العاطلين عن العمل 200 ألف شخص , و ارتفعت معدلات الفقر و الفقر المدقع لتجاوز 65% وتجاوز عدد الأشخاص الذين يتلقون مساعدات إغاثية من الاونروا و المؤسسات الإغاثية الدولية أكثر من مليون شخص بنسبة تصل إلى 60% من سكان قطاع غزة , وتجاوزت نسبة انعدام الأمن الغذائي 72% لدي الأسر في قطاع غزة , وارتفاع حاد في نسبة البطالة بين الشباب في قطاع غزة والتي وصلت إلى 60%.
وحذر صندوق النقد الدولي من أن النمو على المدى القصير لن يكون كافي لاستيعاب قوة العمل المتزايدة , وسوف تستمر معدلات البطالة في الارتفاع ما لم يكن هناك حل جذري يؤدي إلى رفع القيود الإسرائيلية و إنهاء حصار قطاع غزة.
وبحسب صندوق النقد الدولي فقد بلغت نسبة الانكماش في اقتصاد قطاع غزة 15% خلال عام 2014 و يعتبر هذا الانكماش الأول للاقتصاد الفلسطيني منذ عام 2006.
كما أن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة , أدت إلى ضعف القدرة الشرائية لدي المواطنين و تراجع حاد في الاستهلاك الخاص , مما تسبب بركود تجاري واقتصادي حاد وغير مسبوق و بأوضاع كارثية لم يشهدها قطاع غزة منذ عام 1967.
تبقى العديد من التساؤلات مطروحة برسم الإجابة من قبل المسؤولين و من أهمها:
- هل تسير عملية إعادة الإعمار وفق خطة الإنعاش التي تقدمت بها السلطة لمؤتمر المانحين؟
- ماهي المبالغ الحقيقية المرصودة لإعادة إعمار قطاع غزة؟
- ماهو حجم المبالغ التي تم تلقيها حتى هذه اللحظة لإعادة إعمار قطاع غزة؟
- ما هي القطاعات التي تم صرف تلك المبالغ فيها ونصيب كل قطاع؟
- متى سوف يتم تعويض المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة ؟
في الختام المطلوب من جميع شرائح المجتمع الفلسطيني و بكل أطيافه وخصوصا السياسيين وصناع القرار الوقوف صفا واحدا لوضع الآليات الجادة لإنهاء الانقسام و إتمام المصالحة الحقيقية و الحفاظ على مقدرات الشعب الفلسطيني في قطاع غزة و الضفة الغربية و العمل على تحقيق الحلم الفلسطيني بقيام دولتنا الفلسطينية و عاصمتها القدس الشريف , وتحرير 2 مليون مواطن من أكبر سجن في العالم وإنهاء أسوء و أطول و أشد حصار يشهده العالم في القرن الواحد و العشرون , وتجنيب قطاع غزة من كارثة اقتصادية , اجتماعية , صحية , بيئية.
- مدير العلاقات العامة والإعلام بغرفة تجارة وصناعة محافظة غزة
- خبير ومحلل اقتصادي
























