منذ فترة، أتجنب أن يتم أخذ رأيي من قبل زملاء كثر في قضايا الإعلام الفلسطيني، ولكن قصة محاولات إغلاق أو فرض مضايقات على مكتب صحيفة العربي الجديد في رام الله، تخرج الواحد عن طوره.
عدم قدرة إعلامنا الرسمي على تبني رواية ورؤية من هبة شعبنا الأخيرة، وضبابية موقف منظمة التحرير بقيادتها وفصائلها، وفشل ممثليها في الصعود الى الحافلة أو رفض الرحلة أو تبريرها، أيضاً يجعلنا نواصل مشاهدة فضائيات الطبيعة والغابات وإعداد الأطباق ومسابقات مواهب الرقص والغناء.
قبل أشهر، استضفنا أسوأ اسم إعلامي مصري مر في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، اسم يتندر عليه آلاف المشتغلين في الإعلام، يُستخدم تمرينًا في كليات الإعلام لكشف انهيار الرسالة الصحفية. في الفيس بوك، يرث القذافي في هستيريا الرأي... أتينا بتوفيق عكاشة، وهو من هو.. أو لنقل إنه قرين "شعبولة- شعبان عبد الرحيم" في تشليح مهنته، وأعطيناه شاشتنا الرسمية بعد أن أساء لفلسطين، وعندما احتج زميل على الموضوع من داخل المؤسسة، نقلناه من موقعه الوظيفي.
يجرحنا أن تقال كلمة عن كوادر الإعلام الرسمي من قطاعات العاملين الذين صاروا أهم مخزون صحفي تتنافس على توظيفه كل الفضائيات والصحف الباحثة عن طاقات صحفية جديدة. لكن يؤلمنا أكثر أن هؤلاء يتم حشر سيرتهم ومسيرتهم في أخطاء ليست لهم بها أي علاقة.
ماذا فعلت العربي الجديد بالمشروع الفلسطيني؟ نشرت قالباً إخبارياً غير مهني، لا هو تقرير ولا تحقيق ولا مقابلة، لا مصادر فيه، ولا حياد من كاتبته، بل تهجم غير مهني بدون اقتباسات وبدون مراجع أو مصادر، ولم تعط المتهم حقه في الرد على التهم الجزافية... إنه أقرب إلى تعقيب أو تعليق سلبي أحادي التوجه من أحد محازبي الإخوان المسلمين، الذين يرون في الإدارة الأمنية الفلسطينية جرائم، بينما كل ما يقوم به الأمن الداخلي لحماس في غزة انجازات. مادة عادية جداً كان بالإمكان تفنيد عدم مهنيتها بحق الرد على صفحات الجريدة لا عبر التخويف والتلويح بالإغلاق.
صحيح أن كاتبة المادة الصحفية، قدمت ادعاءات كثيرة عن التنسيق الأمني مع المحتلين، ولكن حتى هذه الادعاءات كان بالإمكان الرد عليها كتابة، وتفنيدها وإسقاط حججها، كتابةً لا تخويفاً.
المشكلة أن مادة العربي الجديد لم تجد في كل قيادة الإعلام الرسمي الفلسطيني من يرد عليها مهنيًّا. وكان بالإمكان أن يحدث هذا دون أن تتحول الحادثة إلى إساءة لصورة فلسطين والسلطة الوطنية ومنظمة التحرير والدولة الفلسطينية. لكن مهارات قيادة إعلامنا لا علاقة لها بالكتابة والرد المهني على النقد، ولا بالإنتاج الصحفي. إنهم جهابذة إيجاد ثغرات في قوانين لتخويف الخصوم. وسلسلة المهارات هذه معروفة: تخويف بإغلاق الإذاعة.. أو الجريدة، تأخير الترخيص.. رفض شهادات صحفيين ليست لديهم الخبرة الكافية، السيرة الذاتية غير واضحة، ينقصك شهران خبرة. كلنا عايشنا هذا المسلسل الرديء من الإدارة الإعلامية الرسمية منذ سنوات.
عزمي بشارة مفكر فلسطيني نختلف على سلامة موقفه الفكري من قوى الربيع العربي، لكنه في النهاية اسم عربي مهم بتراث مداخلاته الفكرية التي سبقت مواقف كثيرة. وإذا كان البعض لا يحب وقوفه إلى جانب المتدينين في المجتمع العربي، فهذا شأنهم. ولكن أنا شخصيا من المؤمنين من أول يوم في أحداث تونس ومصر أن الربيع العربي فرصة تاريخية لإخراج البعبع المتدين من الخفاء ليداوم معنا في الحياة اليومية، حياة يومية تجبره على ابتكار معان جديدة، نظريات سياسية حديثة وتنويرية، وهكذا نضمن مجتمعًا عربياً خالياً من عقدة أحادية الفكر. أو لنقل إننا بذلك نضمن للعقل العربي الحديث فرصة للتجريب الفكري، للخروج من حقبة الفكر الجاهز.
لا أريد أن أظهر مدافعا عن العربي الجديد فقط، ففيها ما فيها من إعلام الإخوان المسلمين، لكنها في مناطق أخرى تظهر مهنية وموضوعية وتوزيعاً عادلاً في نشر الآراء؛ فمنذ صدورها، وأنا المح فيها أنها تحرص على جمع الأفرقاء الفكريين، فمقالة بلال فضل في وجه مقالة وائل قنديل، ومقالات الليبراليين والإسلاميين والعلمانيين والرومانسيين وأبناء الأحزاب الحاكمة وكتاب أحزاب المعارضة كلها تجتمع وتتجاور على ذات الورق في هذه الجريدة، وهذه إدارة إعلامية ممتازة للرأي العام.. ومع ذلك، أنا لست من قرائها، أنا أحب القدس العربي إلى الآن. لكن كلمة الحق يجب أن تقال عن هذه الصحيفة الجديدة.
لماذا أصبح مكتب هذه الصحيفة غير مقبول على جهات فلسطينية؟ لأن هذه الجهات لم تجد نصف ورقة (A4) ونصف ساعة لتكتب ردًّا مهنيا تفند فيه أخطاء مادة منشورة، وتقدم معلومات رسمية تلغي معلومات المادة المنشورة! لأن هذه الجهات بلا رؤيا مهنية.. وتسمح لأكثر من طرف أن ينتصر على رؤيتها الإعلامية، لأنها بكل بساطة لا تكتب ردوداً.. هناك أسماء مدعوة من سنة كاملة للرد، ولكنها لم ترد، وهذا يفتح الباب لنقد إضافي من الجمهور ولتطاول آخرين مغرضين على الموقف الإعلامي الفلسطيني الرسمي.
السلطة الوطنية ومنظمة التحرير بحاجة إلى إعلام أفضل بكثير من الطبعة الحالية. والقائمين على الإعلام الرسمي حالياً ليسو شياطين وممنوع تخوينهم، لكن الأمر بحاجة إلى ندوات مهنية ومؤتمرات ومراجعات عميقة بالتشارك مع الجسم الصحفي وبناء سياسات وتوجهات جديدة... وللأسف لا يحدث هذا منذ سنوات طويلة.
























