ليست المرة الاولى التي يترك فيها شهيد فلسطيني وصية لمن تركهم ينعمون بالحياة، سواء كان هؤلاء من الاهل والاحبة والاصدقاء، أو من الرفاق على درب مسيرة النضال المستمرة طالما بقي الاحتلال. وقد ساد هذا النمط بشكل كبير خلال سنوات الانتفاضة الثانية.
في الواقع، إن ما ميز وصية الشهيد بهاء، هو كتابته لوصيته على صفحته قبل حوالي عام من استشهاده، وهذا يختلف بشكل عام عن وصايا الشهداء الآخرين، الذين عادة ما كتبوا وصاياهم، قبل فترة قصيرة وربما قصيرة جدا من تنفيذ عملياتهم.
لقد كان لافتا ان بهاء كتب في أولى وصاياه العشر، رغبته عدم تبني الفصائل لاستشهاده، وأكد ان موته كان للوطن وليس للفصائل، وهذا ما يشير إلى انه ادرك وهو ابن الاثنتين وعشرين عاما، ان هذه حالة مرضية سادت بين الفصائل، على مدار اعمارها، وكانت في احيان كثيرة، سببا في ارسال الكثيرين لموت مجاني، بدون تخطيط او استطلاع او تسليح وتدريب واعداد جقيقي، يتناسب مع حجم التضحية. بالإضافة الى ما تحمله من بعد استخباري، حيث توفر على مخابرات العدو، الكثير من الجهد.
كما أكد في وصيته الثانية، انه لا يريد “بوسترات” تحمل صورته، لانه لا يرغب ان تكون ذكراه على الجدران، وهذا يعني رغبته ان تكون ذكراه في القلوب وليس لمجرد الاستعراض بكثرة الصور الملصقة على الجدارن، وهذا يؤشر على فهم عميق للكيفية التي يتم التعامل بها في احيان كثيرة مع صور الشهداء، التي تتحول من قبل البعض الى مجرد صور أو ارقام يتم الحديث عنها من قبل هذا الفصيل او ذاك على انها مجرد احصائيات أو أرقام، ويخلوا الحديث في احايين كثيرة من اي نوع من “الحميمية”.
وكان هنالك ادراك عال للدور الذي تقوم به بعض وسائل الاعلام، وذلك حين تحدث في وصيته الثالثة للمراسلين، طالبا منهم عدم ارهاق والدته بالاسئلة واجترار احزانها ودموعها من اجل تسجيل “سبق” او خبر يستدر المزيد من المشاهدين أو القراء.
وفي الرابعة، يمكن ملاحظة فهم انساني عميق، حيث يطلب من الجميع عدم تعبئة ابنه بأي نوع من انواع الحقد، وان يترك له حق تقرير ما يريده مستقبلا، هذا الفهم للوعي الانساني المفقود لدى الاعداء في الطرف الآخر، الذين يعملون على تعبئة اطفالهم بكل انواع الحقد، وفي هذا الاطار تقول غولدا مئير، “ان من حق اليهود بعد الهولوكوست، القيام باي شيء دون ان يسألهم عن ذلك أحد”، هذا هو الفرق بين بهاء عليان وبين حقد غولدامئير، وهذا ما يضع بهاء في اسمى المراتب الاخلاقية برغم صغر سنه. هو يريد ان يكبر ابنه ويحدد خياراته دون تدخل عامل خارجي، وان يترك له حق اكتشاف وطنه والقتال من اجل هذا الوطن وليس من اجل الانتقام لموت الوالد.
ويتحدث بهاء بعمق فلسفي في وصيتيه الخامسة والسادسة، ففي الخامسة يقول، ان ارادوا هدم بيتي فليهدموه، فهو ليس اغلى من الروح، في مؤشر على تسامي بهاء عن الدنيا بشكل نادر الحدوث.
وهذا ينطبق على السادسة، حيث وبنفس منطقه الفلسفي يقول “لا تحزنوا على استشهادي، بل احزنوا على ما سيجري لكم من بعدي”، وهل هناك اعمق من هذا الوعي لشاب نذر نفسه للوطن، نعم علينا ان نحزن على ما سيجري لنا، وفي هذا رسالة تموج بالحكمة وبعد النظر، ومحاولة للقول ان اوضاعنا بما نحن فيه من شقاق وتشتت وانقسام، هي من يدعو الى الحزن والرثاء.
أما في السابعة، فانه يمكن قراءة ما هو اعمق في تفكير بهاء، فهو يقول” لا تبحثوا على ما كتبته قبل استشهادي، ابحثوا عما وراء استشهادي”، وهذا ما يؤكد البعد الفلسفي العميق في فكر هذا الشهيد اليافع، وهذا ليس مستغربا عندما نعلم انه كان يتميز بالقراءة ويلتهم بنهم كل ما يقع بين يديه من كتب وابحاث التهاما.
وفي الوصايا الثلاث الاخيرة، فان بهاء لديه قناعة راسخة بانه ذاهب الى الجنة، وهذا مؤشر على حالة ايمانية عميقة، كما ويطالب بالا تتدافع الجماهير خلال جنازته.
واخيرا، فهو وبحكم معرفته بالعقلية التي نتمتع بها،” لا تجعلوا مني رقما من الأرقام، تعدوه اليوم وتنسوه غداً”، وهو هنا يشير الى ان علينا ان نكون فعلا على قدر ما نردد من شعارات ونهتف من هتافات، وان نبقى مخلصين للشهداء فيما نردده من شعارات، العهد هو العهد، والقسم هو القسم، وباننا سنكون الاوفياء للشهداء.
بهاء عليان، من خلال وصاياه، يضع اصبعه برغم استشهاده على جروح كثيرة، ويؤشر على العديد من النقاط واماكن الخلل التي تسود المجتمع بعامة والفصائل بخاصة، وهو بذلك انما يريد من الجميع، ان يتعلموا الدروس، وأن يأخذوا العبر، فهل نقرأ وهل نسمع؟!
























